وكل ما ذكرناه من الدليل بين مما قدمنا، إلا قولنا: كل ما كان قابلا للحوادث فإنه لا يخلو عنها، ونعني بالحوادث: الأعراض.
وبيان أن ما كان قابلا لها لا يخلو عنها، أن الذات القابلة للوصف الحادث قابلة لضده ضرورة، فالقابل للعلم الحادث قابل للجهل، والقابل للحياة الحادثة قابل للموت، والقابل للحركة قابل للسكون، والقابل للقيام قابل للقعود والاضطجاع لأن نسبة هذه الأضداد إلى الذات نسبة واحدة؛ ضرورة أن القابل لواحد منها لا بد له إذا انتفى عنه ذلك الواحد أن يحصل له الضد الآخر إن كان واحدا، أو أحد، الأضداد الباقية إن كانت أكثر، ولما كانت تلك الأضداد كلها حوادث تبين أن القابل لواحد منها لا يخلو عن الحوادث، إذ لا يخلو عن ذلك الواحد أو عن ضده، فقد تم الدليل.
قال: (وأما العرض، فحقيقته: ما يقوم بالجوهر. وذلك يدل على افتقاره إلى محل. والرب يتعالى عن الافتقار على الإطلاق. والعرض لا يبقى زمنين، والرب تعالى قديم، وما ثبت قدمه استحال عدمه. والعرض لا يوصف بالأحكام التي توجبها المعاني، والرب تعالى موصوف بها حتما. فتقرر بمجموع ما ذكرناه تقدس الرب-تبارك وتعالى-عن سمات الجواهر والأعراض، فوجب أن يكون مخالفا لها) .
أقول: كل ما ذكرنا من الأدلة على مخالفته-سبحانه-للجواهر فهي تدل على أنه-تعالى-مخالف للأعراض؛ وذلك أن تلك الأدلة إنما دلت على مخالفته الجواهر بسبب ما يلزم من حدوثه لو كان مماثلا للجواهر، وحدوث الجواهر إنما لزم من أجل حدوث الأعراض، أعني: إنما ثبت من