الرائي، أن تقول: هذا باطل بدليل أنه سبحانه يرى نفسه ومخلوقاته، وليس هو في جهة، لا من نفسه ولا من مخلوقاته. وقد سلم رؤيته سبحانه لنفسه ولمخلوقاته أكثرهم، فنهض النقض عليهم.
والتحقيق أنا نردك الشيء على ثلاث مراتب:
الأولى: أن نرى بنيانا- مثلا-، فندرك أن بانيا بناه، من غير أن نعلم لذلك الباني صفة.
الثانية: أن تذكر لنا صفاته، فيقال: هو إنسان أحمر طويل، إلى ما يمكن أن يحلي به الغائب من الصفة، فيحصل لنا إدراك آخر أتم من الإدراك الأول.
الثالثة: أن نبصر الشخص لنا إدراك أتم وأقوى من الإدراك الثاني، وهو أبلغ درجات الإدراك.
ولا شك أن الإدراك الذي أدركنا الآن الباري-جل وعلا-به هو من باب الدرجة الأولى، فإن غاية ما عندنا استدلالنا عليه سبحانه بما شاهدنا من مصنوعاته، ولم نعلم منه بحسب هذا الاستدلال إلا وجوده والصفات التي دلت عليها مصنوعاته، ونحن ندعي الآن أن الرتبة الثالثة التي تحصل في الأجسام برؤية البصر تحصل لنا في ذاته تعالى، وأما أن تلك المرتبة لا تحصل لنا إلا بمقابلته بحيث نراه بأبصار [تقابله] كرؤية الأجسام والأعراض، فنحن لا ندعي ذلك ولا يلزمنا.
وبهذا تعلم أن يبطله المعتزلة ما ادعيناه، والذي ادعيناه لم يتعرضوا لإبطاله، وإنما هم يتكلمون حيث لا ينفعهم ولا يضرنا.