الرصين المحكم المتين من غير عالم قادر. وثبوت لطائف الصنع، وما تتصف به السموات والأرضون وما بينهما من الانتظام والإتقان، دليل على أنه تعالى عالم قادر.
ثم اختصاص الأفعال بأوقاتها وخصائص صفاتها بدلا من نقائضها الجائزة عليها دليل على أنه تعالى مريد. وثبوت هذه الصفات دليل على أنه تعالى حي؛ لاستحالة ثبوت المشروط مع انتفاء شرطه. ثم الحي يجوز أن يكون سميعا بصيرا أو مؤفا، وكذلك القول في الكلام والإدراك؛ إذ كل قابل لنقيضين لا واسطة بينهما يستحيل أن يعرى عنهما، فلما استحالت النقائص على الباري سبحانه وتعالى قطعا واجب أن يكون سميعا بصيرا متكلما مدركا.
فصل: والدليل على ثبوت الصفات الأزلية: العلة والحقيقة. فمهما ثبت حكم معلل بعلة وجب طرده شاهدا وغائبا، ولو جاز ثبوته من غير علة لوجوبه لجاز ثبوت العلة من غير حكمها لوجوبها، وقد تقرر في الشاهد أن كون العالم عالما معلل بالعلم.
وكذلك القول في الحقيقة، فمهما تثبت حقيقة في محقق وجب طردها شاهدا وغائبا، وقد تقرر في الشاهد أن حقيقة العالم: من قام به العلم؛ إذ لو لم يقم به لما كان بإيجاب الحكم له أولى من إيجابه لغيره. وكذلك في جملة الصفات. فثبت بذلك أن الباري-سبحانه وتعالى-حي بحياة قديمة، عالم بعلم قديم، مريد بإرادة قديمة، قادر بقدرة قديمة، سميع بسمع قديم، بصير ببصر قديم، متكلم بكلام قديم، مدرك بإدراك قديم؛ إذ الموصوف بالقدم لا يتصف بما يدل على حدوثه).
أقول: المطلوب في هذين الفصلين أربعة أمور: