وذلك محال.
فإن قالوا هذه الداعية ليست بخلق الإيمان وإنما هو سؤال القدرة على الإيمان والله تعالى هو الذي يخلق له القدرة على الإيمان وإن كان العبد هو الذي يخلق الإيمان.
فالجواب أن هذا خطأ على أصلكم لأن عندكم كل مكلف قادر على الإيمان والبارئ تعالى لا يسلبهم القدرة على الإيمان.
وأيضًا فإن القدرة على الإيمان قدره على الكفر، على قولهم.
فلو كان البارئ تعالى معَيَّنًا على الإيمان بخلق القدرة [عليه] لكان معَيَّنًا على الكفر بخلق القدرة [عليه] كيف ومن العبيد مّنْ عَلِمَ الله إنه لو خلق له قدرة الكفر لكفر.
فخلق القدرة في هذه الحالة، مع علمه بأنه لا يؤمن، إعانة على الكفر.
ومن الدليل على فساد قولهم إطلاق السلف والخلف القول بأن البارئ مالك بكل مخلوق وإله كلّ محدَثٍ ومن المستحيل أن يكون البارئ مالك ما لا يخلقه وإله ما لا يقدر عليه.
إذا لم يكن البارئ ربّ هذه الأفعال وكان العبد خلق أعمال نفسه كان ربّها.
وإليه أشار البارئ في القرآن حيث قال: {إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} ...
والقول بذلك كفر.
ومن الدليل على فساد قولهم إن الإيمان والطاعات أحسن من الأجسام وأعراضها.
فلو اتصف العبد بكونه خالقًا لإيمانه وطاعته لكان أحسن خلقًا من ربه.
وقد قال الله تعالى: {أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} .
فإن قيل: لولا القدرة على الإيمان لما قدر العبد على الإيمان فخلق القدرة على الإيمان أحسن من خلق الإيمان.
والبارئ تعالى هو أحسن الخالقين.
قلنا: فلزم على مقتضى قولهم أن تكون القدرة على الكفر شرًا من الكفر وعندكم القدرة صالحة للكفر كما هي صالحة للإيمان.
وإذا كان ذلك إعانَةٌ على الكفر لم يكن أحسن.
ومن الدليل على بطلان قولهم أقوال الله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} .
فتمدّح بالاختراع والإبداع ولو كان غيره خالقًا مُبْدِعًا لبطل التمدّح من حيث أنه يصير خاصًا بأنه الخالق لأفعاله دون أفعال غيره.
والعبد أيضًا يقول:"وأنا خالق كلَّ شيء"ويريد به أفعال نفسه.
فيبطل المدح.
ونستدل بكل آية مثل قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ولا معنى لذلك عند المعتزلة لأنه يقدر على أفعاله نفسه دون أفال عبيده والعبد كذلك على أفعال نفسه.