فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 67

شبههم في هذه المسألة.

قال: الله تعالى أمرنا الإيمان والطاعة ونهانا عن الكفر والفجور والمعصية ويستحيل في حقه أن يأمر بما يكرهه ويأباه وينهى عما يريده.

لأن الجمع بين الأمر وكراهة المأمور وبين النهي وإرادة المنفي تناقض وهو يشابه الأمر بالشيء والنهي عنه فإذا أن ما أمر الله به فقد أراده وما نهى عنه فلم يرده.

قلنا: لا نساعدكم على هذه القاعدة بل يجوز في العقل أن يأمر العاقل بما لا يريده.

ومثال ذلك شاهدًا رجل ضرب عبده وبالغ في تأديبه فاتصل الخبر بسلطان الوقت فهمَّ بزَجْره فلمّا استحضره قال معتذرًا"إنه عصاني ولم يمتثل أمري"فاتهمه السلطان فقال سيد الغلام:"أنا أحقق قولي بين يديك فاستدعى العبد وأمره بأمر بمرْأى منك ومَسْمَع فإن خالفني بأن صدقي وإن أطاعني بأن كذبي."

فاستحضره وأمره بشرائط الأمر وصورتها كلها موجودة.

ونعلم أن مراد السيد أن لا يتمثل أمره ليتمهد عذره عند الأمير.

فصح أن الآمر يجوز أن يأمر بما لا يريده.

هذا من جهة المشاهدة.

ومن جهة الشرع فالله تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده وما أراد الذبح.

فإن قالوا: ذلك لم يكن أمرًا على التحقيق فخطأ لأن مثل إبراهيم، عليه السلام، ولا يجوز أن يقدم على ذبح ولده من غير أمر.

فإن قالوا: هو لم يكن مأمورًا بالذبح حقيقة وإنما كان مأمورًا بمقدمات الذبح من شدَّ الأطراف والقصد إلى القتل.

والدليل عليه أن الله تعالى قال: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} فدلّ إنه لم يكن مأمورًا إلا بما فعل.

قلنا هذا محال لأن اله تعالى قال: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} وليس في مقدمات الذبح بَلاء مبُين.

وأيضًا فإن الله تعالى قال: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} .

ولو كان المأمور به مقدمات الذبح ما احتاج إلى الفَدَا.

وأما قوله تعالى: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} فمعناه: اعتقدت كونه وابتدرت إلى الامتثال فخففنا عنك.

ثم يقال لهم: ما ألزمتمونا من التناقض يلزمكم، لأنكم تواقعونا أن الله تعالى أمرهم بالإيمان مع علمه بأنهم لا يؤمنون.

ومن قال لعبده: أعطيتك القوة وأتممت عليك النعمة حتى تكتسب الجنة مع علمي بأنك تعصي وتفجر بعد ذلك تناقضًا.

فقد جوّزوه.

فبطل دعواهم.

شبهة أخرى قالوا: الإرادة تكتسب صفة المراد فإذا كان المراد سفها كانت الإرادة سفها.

ولا يجوز وصف الله تعالى به.

قلنا: عندنا إرادة البارئ تعالى قديمة وإنما يتصف بالسفه وضده ما كان حادثًا، هذا كما أن من أكتسب علمًا بالفواحش من غير حاجة إليه يعدّ سفها.

ثم البارئ تعالى عالم بجملة الحوادث خيرها وشرها ثم لا يوصف بما يوصف به من اكتسب بذلك علمًا.

ثم هذه القاعدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت