نحمده سبحانه على نعم لا تحصى، وحمدنا جل وعز من أجل الآلاء
[حاشية الدسوقي]
الأمر الشاق سمى الوزير به لتحمله ثقل الملك أي ما يشق عليه أو من الموازرة وهي المعاونة سمى الوزير به لمعاونته للملك.
(قوله: نحمده) أي نصفه بجميع صفاته وهي جملة خبرية لفظا إنشائية معنى، أي ننشيء الثناء عليه بجميع صفاته لأجل نعم لا تحصى، فهي لإنشاء الثناء بمضمونها، لأن الحمد به إنما يتحقق بهذا اللفظ لا لإنشاء مضمونها فاندفع ما يقال جعلها إنشائية مشكل لأن الإنشاء ما توقف حصول مضمونه على النطق به، وحينئذ فيلزم أن الحمد على نعم لا تحصى لم يتحقق في الخارج قبل النطق بتلك الجملة وهو باطل، وليست خبرية لفظا ومعنى، لأن الحامد ليس قصده الإخبار عن حمد يحصل منه في الحال أو الاستقبال كما هو شأن المضارع الخبري، وادعى بعضهم جواز ذلك بناء على أنها حكاية عن نفسها كما في أتكلم مخبرا عن نفسه بالتكلم، وجمع بين الجملتين الاسمية والفعلية اقتداء بقوله صلى الله عليه وسلم الحمد لله نحمده نستعينه، ووجه تقديم الاسمية على الفعلية في الحديث أن مضمون الجملة الأولى علة في صدور الجملة الثانية أي نحمده لأنه مستحق للحمد، ووجهه في المصنف وكذا في الحديث أيضا أن الحمد بالجملة الاسمية ثناء بصفة واحدة وهي اختصاصه بالحمد أو استحقاقه أو ما لكيته له، فيكون الحمد بها من قبيل المفرد، والحمد بالجملة الفعلية ثناء بجميع الصفات فيكون من قبيل المركب، والمفرد مقدم على المركب طبعا فقدم وضعًا، ليوافق الوضعُ الطبعَ، أو يقال قدم الاسمية لأنها أخص من الفعلية لأن الاسمية تدل على مجرد حصول الحمد واما الفعلية فتدل على كثرته لأنها تفيد التجدد، وقولهم الخاص يؤخر يعنى في النعت وأما في غيره فيقدم، وأتى بالنون الدالة على العظمة مع أن مقام الحمد مقام تذلل وانكسار اظهارًا لملزومها وهو تعظيم الله له حيث جعله من العلماء العاملين، وهو من التحدث بالنعم وهو أفضل من ارتكاب التذلل والخضوع والأنكسار عند المحدثين، وإن كان الأمر بالعكس عند الصوفية، أي فعندهم التواضع والأنكسار أفضل من التحدث بالنعمة، ويحتمل أن تكون النون للمتكلم ومعه غيره، وأتى بها لكمال شفقته على إخوانه حيث أشركهم معه في هذا الحمد، أو للا شارة إلى أن حمد الله عظيم لا يستقل به الواحد.
(قوله: سبحانه) حال من المفعول أي في حال كونه منزهًا.
(قوله: على نعم) أي على إنعامات أو على أمور منعم بها، والأول أولى، لما سبق أن الحمد عليها بلا واسطة وأما الحمد على المنعم به فبواسطة الإنعام.
(قوله: لا تحصى) أي لا تتناهى.
واعلم أن عدم التناهى له معنيان:
الأول: عدم الوقوف على حد، بل كلما وجد فرد وإن عدم أعقبه غيره كما في نعيم الجنة فإنه كلما وجد فرد منه وإن عدم أعقبه غيره، وما وجد بالفعل منها فهو متناه.
والثاني: عدم حصر أشياء موجودة في الخارج، كما في كمالات الله الوجودية فإنها لا تتناهى؛ بمعنى أنها لا تنحصر ولا يخفى أن كلًا من المعنيين لا يصح إرادته هنا، أما الأول فلأن المراد بالنعم المحمود عليها الموجودة بالفعل لا ما وجد وما سيوجد لأن الحمد لا يكون إلا على ما وجد بالفعل، وما وجد بالفعل لا يعقل فيه عدم التناهي بالمعنى الأول أعني عدم الوقوف على حد، وأما الثاني فلأن ما وجد في الخارج من الحوادث فهو متناه ومحصور فيستحيل عدم تناهيه بالمعنى المذكور، وحينئذ فيراد بعدم إحصاء النعم تعذر عدها وإن كانت متناهية في نفس الأمر؛ لأن ما وجد في الخارج من الحوادث فهو متناه، ثم إن المتعذر عده إنما هو أفرادها الشخصية وأنواعها وأما أجناسها فلا تعذر في عدها واحصائها كأن يقال النعم إما دنيوية أو أخروية، والأخروية إما في مقابلة عمل أوْ لا، والدنيوية إما كسبية أو وهبية، أو غير ذلك، وإذا علمت ذلك تعلم أنه لا منافاة بين قوله تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) وبين الأمر بِعَدّها المقتضي لإحصائها وتناهيها في قوله تعالى: (اذكروا نعمتي) وذلك أن نفي إحصائها بالنظر لأشخاصها وأنواعها، والأمر بذكرها بالنظر لأجناسها لتناهيها بحسبب الأجناس وذلك كاف في التذكير المفيد للعلم بوجود الصانع الحكيم.
(قوله: وحمدنا له جل وعز من أجل الآلاء) أي من أعظم النعم وذلك لأن حمدنا فعل اختياري وهو مخلوق لله