ونشكره تبارك وتعالى وهو الرؤوف الرحيم الذي يبسط بفضله منقبض القلوب والألسنة والجوارح بما شاء من جميل الثناء ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة
[حاشية الدسوقي]
ويثاب عليه العبد، وهذه الجملة حالية وأتى بها لدفع ما يتوهم من أن حمده أولا وثانيا استوفى الشكر على النعم التي لا تحصى فكأنه يقول لا يتوهم من حمدي له أولا وثانيا أنى استوفيت شكر نعمه لأن حمدي على النعم من أجل النعم فيجب الحمد عليه ولم يكن للحمد الأول تعلق بها وهكذا، و (مِنْ) في قوله من أجل تبعيضية أي بعض الأجلِّ، والآلاء بمعنى النعم وهو ممدود وقصره لضرورة السجع (1) وهو جمع أَلى بفتح الهمزة وكسرها مع التنوين وعدمه فيهما، وألي بسكون اللام مع تثليث الهمزة، فلغات المفرد سبع ومعناه على كل حال النعمة.
(قوله: نشكره) جملة خبرية لفظا إنشائية معنى لإنشاء الثناء لا خبرية لفظا ومعنى لأن الشاكر ليس قصده الإخبار عن شكر يحصل منه في الحال أو الاستقبال كما هو شأن المضارع الخبري، واعلم أن الحمد والشكر المطلوب من المؤلفين تحصيلهما في أوائل التآليف هما الحمد اللغوي والشكر اللغوي الحاصلان باللسان، لا الحمد والشكر الإصطلاحيان لأن المعنى الاصطلاحي حادث بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قد أمر بتحصيلهما في أوائل الأمور ذوات البال فيحملان على ما كان في زمنه وهو المعنى اللغوي.
(قوله: تبارك) أي تزايد خيره.
(قوله: وتعالى) أي ارتفع عما لا يليق به.
(قوله: وهو الرؤوف) أي لأنه الرؤوف الرحيم، والرؤوف هو المنعم بنعم نشأت عن محبته للمنعم عليه غنيا كان أو فقيرا، والرحيم هو المنعم بنعم من أجل احتياج المنعم عليه وفاقته، ولا يكون إلا فقيرا فإذا أنعم المولى على احد من عباده بنعمة وإن كانت النعمة ناشئة عن محبة الله لذلك العبد المنعم عليه قيل للمولى رؤوف، وإن كان إنعامه عليه بتلك النعمة لفاقة ذلك العبد واحتياجه قيل له رحيم، فعلمت من هذا أن نعم الله تارة تكون ناشئة عن محبته للمنعم عليه، وتارة تكون ناشئة لأجل احتياج المنعم عليه، وأن الرؤوف أبلغ من الرحيم، لأن مبدأ الرأفة شفقة المحسن ومحبته، والرحمة مبدؤها فاقة المحسن اليه، ولأجل الأبلغية المذكورة قدم المصنف الرؤوف.
(قوله: الذي يبسط) من البسط وهو النشر ضد القبض.
(وقوله: بفضله) متعلق بيبسط أي يبسط بسطا متلبسا بفضله من غير قهر له.
(قوله: منقبض القلوب) أي القلوب المنقبضة والألسنة المنقبضة والجوارح المنقبضة، وانقباض القلوب تكدرها وحصول الغم لها لتجلى المولى عليها بصفات الجلال، وانقباض الألسنة تعطيلها عن الأذكار وانقباض الجوارح تعطيلها عن الطاعات بالكسل، وحينئذ فإسناد الانقباض للقلوب حقيقة، وإلى الألسنة والجوارح مجاز عقلي، وفي قوله يبسط استعارة تبعية حيث شبه إزالة الانقباض بنشر البساط مثلا بجامع ترتب الانتفاع في كلٍ، واستعير لها اسمه وهو البسط واشتق منه يبسط بمعنى يزيل الانقباض، كأنه قال الذي يزيل بفضله الانقباض عن القلوب المنقبضة والألسنة المنقبضة والجوارح المنقبضة، والقلوب جمع قلب يطلق على الجارحة المعلومة، وهي اللحمة الصنوبرية الشكل ويطلق أيضا على النفس وهو المراد هنا.
(قوله: بما شاء) متعلق بيبسط (قوله: من جميل الثناء) بيان لـ (ما) أي من الثناء الجميل، ووصفُ الثناءِ بالجميل وصف كاشف لأن الثناء هو الذكر بخير، والمراد بالثناء الجميل هنا ذكر الله وكأنه قال الذي يزيل انقباض القلوب والألسنة والجوارح بذكره، فذكره تعالى يزيل ما قام بالقلب من الغم والكدورات ويشرحه ويدخل السرور عليه ويزيل الكسل المانع للجوارح من العبادات والمانع للسان من القراءة والأذكار.
(قوله: ونشهد أن لا إله إلا الله) أنْ مخففة من الثقيلة اسمها ضمير الشأن محذوف وجملة لا إله إلا الله خبرها و (وحده) حال إما من الله فتكون حالا مؤكدة، أو من ضمير الخبر فتكون حالا مؤسسة، والمراد وحده في ذاته وصفاته فهي نفي للشريك فيهما.
(وقوله: لا شريك له) نفي للشريك في الأفعال واعلم أن جملة نشهد الخ إنشائية تضمنت الإخبار بالمشهود به، وقيل إنها خبرية محضة، وقيل إنشائية محضة، والأول ناظر للفظ نشهد فإنه إنشاء لوجود مضمونه في الخارج به وإلى متعلقه، والقول الثاني ناظر للمتعلق فقط، والقول الثالث ناظر للفظ نشهد وهو التحقيق فلم تتوارد الأقوال الثلاثة على محل واحد (قوله: شهادة)
(1) قوله وقصره لضرورة السجع: فيه أن السجع ممدود