نشأت عن محض اليقين فلا يطرق ساحتها بفضل الله تعالى ضروب الشكوك والامتراء، ونشهد أن سيدنا ومولانا محمدًا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، شهادة ندخرها بفضل الله تعالى وجميل عونه لما قصم الظهور
[حاشية الدسوقي]
مفعول مطلق عامله نشهد.
(قوله: نشأت عن محض اليقين) أي عن اليقين المحض أي الخالص عن الشك وهو الذي صار متعلقه أمرًا مجزوما به لا شك فيه، واليقين هو: الاعتقاد الجازم المطابق للواقع عن دليل.
واعلم أن الإيمان هو حديث النفس التابع للمعرفة، وأن المعرفة: هي الاعتقاد الجزم المطابق للواقع عن دليل، وأن المراد بالشهادة هنا الإيمان، وباليقين المحض المعرفة، فيكون قوله ونشهد أي نعترف اعترافا قلبيا ناشئًا عن يقين فالشهادة قلبية وهي الإيمان وهو ناشئ عن اليقين الذي هو المعرفة لأنه تابع لها وفيه إشارة إلى أن مجرد المعرفة غير كاف لوجودها عند كثير من الكفار، قال تعالى: (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) .
(وقوله: فلا يطرق) بضم الراء من باب قتل، والطروق القدوم بغتة، والساحة الأرض المتسعة بين البيوت والمراد بها هنا القلب إذ هو محل الشهادة بالمعنى السابق، فشبه القلب بالساحة واستعار له اسمها والقرينة اضافتها إلى الضمير العائد على الشهادة، ويحتمل أن المراد بالشهادة الشهادة اللسانية فالمعنى أشهد بلساني شهادة ناشئة عن اليقين المحض أي عن الاعتقاد الجازم أن لا إله إلا الله الخ، وأتى بقوله ناشئة عن اليقين الخ إشارة إلى أنها شهادة معتد بها لمطابقة اعترافه بلسانه لما قام بقلبه من الاعتقاد لأن الشهادة لا يعتد بها إذا كانت غير مطابقة لما في القلب من الاعتقاد، وعلى هذا فالمراد بساحة الشهادة اللسان وفي العبارة حذف أي لا يطرق ساحتها آثار ضروب الشك وهو متعلق التردد الجاري على اللسان.
(قوله: بفضل الله) أي لا بطريق القهر.
(قوله: ضروب الشكوك) أي أنواع الشكوك والإضافة للبيان، والشكوك جمع شك، والمراد به هنا مطلق التردد الصادق بالظن والوهم، ولذا جمعه.
(قوله: والامتراء) أي الشك وهو من عطف الكلي على جزئياته، يحتمل أن يكون على حذف مضاف أي وجزئيات الامتراء فيكون العطف من قبيل عطف المرادف.
(قوله: سيدنا) السيد هو الذي يفزع إليه في المهمات، و (المولى) هو الناصر ولاشك ان الفزع في المهم إلى السيد يكون أولًا، ونصرته لمن فزع إليه في نيل مهمة تكون ثانيا بعد فزعه إليه، ولذلك قدم الشارح سيدنا على مولانا، ولا شك إنه صلى الله عليه وسلم مفزع الخلائق وناصرهم في الدنيا لما بين لهم من طرق النجاة وعلمهم أنواع الهدايات حتى تركهم على المحجة البيضاء التي لا غبار عليها، ومفزعهم وناصرهم في الآخرة فيفزعون إليه من شدة الهول الحاصل لهم في الموقف، فيشفع لهم الشفاعة العظمى.
(قوله: عبده) أي المتصف بعبوديته أي بكونه عبدًا له، والعبودية صفة تقتضى التواضع والانكسار.
(قوله: ورسوله) أي ومرسله لكافة الخلق، والرسالة صفة تقتضى الرفعة ولا يخفى أن التواضع سبب في الرفعة فلذا قدم ما يفيد السبب على ما يفيد المسبب حيث قال عبده ورسوله، وذكر بعضهم أنه إنما قدم العبد لما قيل إن العبودية أشرف الصفات، وهي الرضا بما يفعل الرب، وأما العبادة فهي فعل ما يرضى الرب لكن ذكر المحلي في بعض كتبه ان العبادة أبلغ من العبودية لأن العبودية التذلل والخضوع، وأما العبادة فهي غاية التذلل والخضوع، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو مخالف لإطلاقهم أن العبودية أفضل ويؤيد الإطلاق أن العبودية لا تسقط في العقبى بخلاف العبادة، وذكر الرسول دون النبي لأنه أخص ولأن رسالة النبي أفضل من نبوته.
واعلم ان الرسالة من الصفات الشريفة التي لا ثواب فيها وإنما الثواب على أداء ما تحمله الرسول، وكم من صفة شريفة لا يثاب عليها كالمعارف الالهية، والنظر لوجه الله الكريم الذي هو أشرف الصفات.
(قوله: ندخرها) أي نختارها أو نتخذها أو نجعلها ذخيرة نافعة.
(قوله: بفضل الله) أي وادخارنا لها بسبب فضل الله وإحسانه الخالي عن الجبر، أومن فضل الله فالباء للسببية أو بمعنى مِنْ.
(قوله: وجميل عونه) أي ومن اعانته الجميلة، والوصف كاشف لأن اعانة الله لا تكون إلا جميلة.
(قوله: لما قصم الظهور) أي لما كسرها، والقصم بالقاف الكسر سواء كان معه إبانة أوْ لا، وقيل: الكسر مع الإبانة قصم بالقاف، وبدون الإبانة فصم بالفاء، وجعل أهوال الموت والقبر ويوم البعث والجزاء قاصمة للظهور كناية عن شدة