مختلفة فالقدرة صفة تؤثر في إيجاد الممكن وإعدامه،
[حاشية الدسوقي]
مفيدة للحصر الإشارة إلى أن المراد بالحصر المستفاد منه حصر المسند إليه في المسند؛ لاحصر المسند في المسند إليه وإن كان هو الذي تقتضيه القاعدة المتقدمة. (قوله: فالقدرة صفة الخ) الفاء واقعة في جواب شرط مقدر أي إذا أردت معرفة اختلاف تعلقهما فالقدرة الخ.
واعلم أن تعريف المصنف لهذه الصفات رسوم مفيدة لتمييز بعضها عن بعض لا حدود بذاتياتها، لأن العقول محجوبة عن كنه ذاته وصفاته تعالى، فيتعذر حينئذ التعريف بالذاتيات، وقوله صفة جنس في التعريف، وقوله تُؤثِّرُ فصل أخرج ما لا يؤثر من الصفات كالعلم والحياة والسمع والبصر والكلام وغير ذلك، وقوله في إيجاد الممكن وإعدامه مخرج للإرادة بناء على أن التخصيص تأثير وهو الصحيح، فهي وإن كانت صفة تؤثر لكن ليس تأثيرها في الإيجاد والإعدام، بل تؤثر في التخصيص بأحد الأمرين المتقابلين، وأما على القول بأن التخصيص ليس تأثيرًا فتكون الإرادة خارجة كغيرها بقوله تؤثر، وإسناد التأثير للقدرة مجاز عقلي، إذْ المؤثر هو المولى بقدرته، والقرينة على هذا المجاز استحالة قيام التأثير بالقدرة لما فيه من قيام المعنى بالمعنى؛ لأن التأثير إنما يكون بالقدرة، فلو كانت القدرة مؤثرة لكان تأثيرها بقدرة فيلزم قيام القدرة بالقدرة.
(قوله: في إيجاد الممكن) الأولى أن يقول في وجود الممكن، لأن الإيجاد هو تعلقها بوجود الممكن وهي لا تؤثر في تعلقها بالوجود وإنما تؤثر في نفس الوجود، وأل في الممكن للاستغراق أي تؤثر في وجود كل ممكن وعدمه. إنْ قلت ما لم يدخل في الوجود من الممكنات لا ينحصر فأين التأثير فيه؟ قلت: المراد بقوله تؤثر أي تصلح للتأثير في كل ممكن، والصلاح عام فيما وجد وما لم يوجد، فهو يشير للتعلق الصلوحى، فكأنه قال صالحة للتعلق بكل ممكن، وليس مراده الإشارة للتعلق التنجيزي، وإن المعنى أنها متعلقة بكل ممكن تعلقًا تنجيزيًا.
فإن قلت: مقتضي كلامه حصر التأثير في الوجود والعدم، فيقتضي أن الأحوال الحادثة على القول بثبوت الأحوال لا تؤثر فيها القدرة، والذي عليه المحققون أن القدرة تؤثر فيها، فقد صرح في الكبرى بأن الذي عليه المحققون أن الله إذا خلق العلم في ذات الجوهر ولزم ذلك العلم ثبوت عالميته فقد فعل الصانع المعنى والحال اللازمة لها. وأجيب بأن المراد من وجود الممكن ثبوته على جهة المجاز من إطلاق الخاص وإرادة العام، والقرينة على ذلك تعليق التأثير على الوصف المناسب وهو الإمكان؛ وذلك يشعر بعليته فكأنه قال تؤثر في وجود الممكن لإمكانه، وإذا كانت العلة هي الإمكان وهو موجود في كل الممكنات لم يكن هناك فرق بين الحال وغيرها، وحينئذ فيكون المراد بالوجود ما هو أعم؛ أعنى مطلق الثبوت. (قوله: وإعدامه) الأولى وعدمه، لأن الإعدام تعلق القدرة بعدم الممكن وهي لا تؤثر في تعلقها بعدم الممكن، وإنما تؤثر في نفس عدم الممكن.
واعلم أن تأثير القدرة في وجود الممكن أمر متفق عليه، وأما تأثيرها في عدم الممكن فهو ما قاله الأقل كالقاضي أبي بكر الباقلاني ومن تبعه، واعتمده المصنف في شرح المقدمات، وبالغ في الاحتجاج عليه، وأما على مذهب الاشعري وإمام الحرمين فعدم الحوادث سواء كانت جواهر أو أعراضا واقع بنفسه لا بالقدرة؛ لأن أثر القدرة عندهم لا بد أن يكون وجوديًا، فلا تتعلق القدرة بالعدم عندهم لأن الحادث إما جرم، وإما عرض، والعرض من صفاته النفسية انعدامه بمجرد وجوده من غير فعل فاعل، والجوهر استمرار وجوده مشروط بإمداد الأعراض له، فإذا أراد الله عدمه أمسك عنه الأعراض فينعدم الجوهر لوقته بنفسه بدون إعدامِ مُعْدِمٍ؛ نظير ذلك أنك إذا وضعت الزيت في السراج فإن الفتيلة تستمر منورة فإذا فرغ الزيت طفئت تلك الفتيلة بدون فعل فاعل، وهذا القول وإن كان قول الجمهور إلا أنه ضعيفٌ مبنى على أن العرض لا يبقى زمانين، والحق أن العرض يبقى زمانين، وليس من صفاته النفسية انعدامه بمجرد وجوده، بل قال الشيخ عبد الحكيم في حواشي الخيالي إن القول بأن العرض لا يبقى زمانين سفسطةٌ؛ فقد علمت مما قلناه أن القدرة تتعلق بوجود الممكن اتفاقا تعلقَ تأثيرٍ وكذا تتعلق بعدمه