فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 238

والإرادة صفة تؤثر في اختصاص أحد طرفي الممكن من وجود أو عدم أو طول أو قصر ونحوها بالوقوع بدلًا عن مقابله،

[حاشية الدسوقي]

الطارئ بعد وجوده تعلق تأثير على المعتمد، وأما عدم الممكن في الأزل فهذا لا تتعلق به القدرة اتفاقًا؛ لأنه واجب لا جائز، وإلا لجاز وجودنا في الأزل وهو باطل لما يلزم عليه من تعدد ذوات القدماء، وبقى عدم الممكن فيما لايزال قبل وجوده كعدمنا في زمن الطوفان، وكذلك استمرار عدمه الطارئ بعد فنائه، واستمرار وجوده، وقد ذكر بعض المحققين أن هذه الثلاثة تتعلق بها القدرة تعلق قبضة بمعنى أن المولى إن شاء قطع ذلك العدم بقدرته وأبدله بالوجود، وإن شاء أبقى ذلك العدم بقدرته، وكذلك استمرار الوجود إن شاء المولى أبقاه بقدرته وإن شاء قطعه وأبدله بالعدم بقدرته.

واعلم أن حقيقة التعلق طلب الصفة أي اقتضاؤها واستلزامها امرًا زائدًا على قيامها بمحلها، وهذا حقيقة في التعلق بالفعل وهو التنجيزي، وأما إطلاق التعلق على صلاحية الصفة في الأزل لشيء أو على كون الشيء في القبضة فهو مجازٌ؛ إذْ هذا ليس تعلقا حقيقةً.

بقي شيء آخر وهو أن ماهيات الأمور الممكنة وحقائقها وقع فيها خلافٌ: فقيل إنها بجعل جاعل مطلقًا أي إنها مخلوقة للمولى تعلقت بها قدرته فأحدثتها من العدم للوجود، وقيل: إنها ليست بجعل جاعل مطلقًا؛ بل هي متقررة وثابتة في نفسها أزلًا، وإنما تعلقت بها القدرة فاظهرتها بالوجود لخارج الأعيان بحيث صار يمكن رؤيتها، فالقدرة لم تؤثر في الماهية بل في إظهارها فقط، فالجاعل لم يجعل المشمش مثلًا مشمشًا بل جعل المشمش موجودًا.

وقيل: إن الماهية البسيطة كالجوهر غير مجعولةٍ، والمركبة كالجسم مجعولةٌ.

إذا علمت ذلك: فقول الشارح تؤثر في وجود الممكن ولم يقل تؤثر في ذات الممكن ظاهر في أن الماهية غير مجعولةٍ، بل هي ثابتة متقررة في نفسها أزلًا، والقدرة تعلقت بإظهارها بالوجود في خارج الأعيان، فهي بمنزلة ثوب مخبأ في صندوق تفتح الصندوق وتخرجه منه، وميل المصنف لهذا القول مما يدل على أنه مما لا يختص بالمعتزلة والفلاسفة إذ لو كان مختصا بهما لما مال إليه كما هو اللائق بمقامه والمناسب بحاله من الرد على من خالف أهل السنة خلافًا لبعض الحواشي حيث نسب هذا القول للفلاسفة والمعتزلة فقط.

واعلم ان هذا القول لا يضر اعتقاده وإن لزم عليه تعدد القدماء، لأن المضر القول بتعدد القدماء من الذوات الموجودة في الخارج لا الثابتة في نفسها. (قوله: والإرادة صفة الخ) هذا جنس في التعريف شامل لجميع الصفات، وقوله تؤثر فصل أخرج به ما لا يؤثر من الصفات كالعلم والكلام والسمع والبصر والحياة ونحوها ما عدا القدرة، وفي التعبير بتؤثر من التجوز ما مر، قال الشيخ يس الظاهر من التعبير بقوله تؤثر تعريف الإرادة باعتبار تعلقها التنجيزي الحادث لا باعتبار الصلوحى القديم ولا التنجيزي القديم كما صرح به بعض المغاربة، ويحتمل إرادة الأعم، وقوله في اختصاص الخ فصل أخرج به القدرة، والمراد بتخصيص أحد طرفي الممكن بالوقوع ترجيح وقوع أحد طرفيه. واعلم أن الممكنات المتقابلات ستة أشار لها بعضهم بقوله:

الممكنات المتقابلات * وجودنا والعدم الصفات

أزمنة أمكنة جهات * كذا المقادير روى الثقات

فقوله وجودنا والعدم واحدٌ، والصفات ثان، وهكذا، فالارادة تخصص الوجود الذي هو أحد الطرفين بالوقوع دون العدم، أو تخصص العدم الذي هو الطرف الآخر بالوقوع دون الوجود، وتخصص الصفة المخصوصة كالبياض مثلا بالوقوع دون غيرها من الصفات، وتخصص الزمان المخصوص بالوقوع فيه دون غيره من الأزمنة، وتخصص المكان المخصوص بالوقوع فيه دون غيره من الأمكنة، وتخصص الجهة المخصوصة بالوقوع فيها دون غيرها من الجهات، وتخصص المقدار المخصوص بالوقوع للجرم دون غيره من المقادير.

إذا علمت هذا: فقول الشارح من وجود أو عدم بيان لأحد طرفي الممكن، وقوله أو طول أو قصر إشارة للمقدار، وقوله ونحوهما أي نحو القسمين المذكورين وهو الأقسام الأربعة المتقدمة. (قوله: بالوقوع) متعلق باختصاص (قوله: بدلا عن مقابله) أي بأن تخصص الوجود الذي هو أحد الطرفين بالوقوع بدلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت