قبحهم الله تعالى جعلوا تعلق الإرادة تابعًا للأمر، فلا يريد عندهم مولانا جل وعز إلا ما أمر به من الإيمان والطاعة سواء وقع ذلك أم لا، فعندنا إيمان أبي جهل مأمور به غير مراد له تبارك وتعالى؛ لأنه جل وعز علم عدم وقوعه، وكفر أبي جهل منهي عنه وهو واقع بإرادة الله تعالى وقدرته، وعند المعتزلة قبح الله تعالى رأيهم إيمانه هو المراد لله تعالى لا كفره، فلزمهم أن يقع نقصٌ في ملك مولانا جل وعز، إذْ وقع فيه على قولهم ما لا يريده تعالى من له ملك السموات والأرض وما بينهما تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا.
وبالجملة فالتعلقات عند أهل الحق ثلاثةٌ مرتبةٌ: تعلق القدرة وتعلق الإرادة وتعلق العلم بالممكنات، فالأول مرتب على الثاني، والثاني مرتب على الثالث،
[حاشية الدسوقي]
بكائن، وعلى كلام الأشعري مريد لما علم أنه كائن وما علم أنه ليس بكائن فليس مريدًا له. (قوله: قبحهم الله) بالتخفيف إن أريد الدعاء بأصل القبح، وبالتشديد إن أريد الدعاء بكثرة القبح والمبالغة فيه. (قوله: جعلوا تعلق الإرادة تابعا للأمر) هذا يقتضي أن الأمر غير الإرادة عندهم لأن التابع غير المتبوع؛ مع أن الإرادة عندهم عين الأمر كما نقله السبكي عنهم في أصوله، وأجيب بأنه ليس في كلام الشارح ما يقتضى أن كل معتزلي يقول إن تعلق الإرادة تابع للأمر حتى يردَ ما ذكرت، إذْ كثيرًا ما يُنسب ما قاله بعض الطائفة لكلها مجازًا؛ فيقال قال بنو فلان وإن لم يقله منهم إلا بعضهم.
والحاصل أن المعتزلة اختلفت أقوالهم فمنهم من قال إن الأمر عين الإرادة، ومنهم من قال إن تعلق الإرادة تابع للأمر، وهما غيران، ومنهم من قال الإرادة في فعله تعالى هي العلم به، وفي فعل غيره الأمر به.
(قوله: جعلوا تعلق الإرادة) أي الصفة المخصصة بوقوع أحد المقدورين، (وقوله: تابعا للأمر) اعلم أن الأمر أمران نفسي ولا يثبته المعتزلة لأنه قسم من الكلام النفسي المنكرين له؛ فإنهم لا يثبتون إلا اللفظي وهو مخلوق عندهم، ومعنى كونه تعالى متكلما أنه خلق الكلام في بعض الأجسام، والظاهر أن المصنف أراد الأمر الثاني. (قوله: فلا يريد عندهم مولانا جل وعز إلا ما أمر به) قضية الحصر أنَّ ما لم يأمر به كالمباح والمكروه والحرام وفعل غير المكلف لم يرده عندهم؛ وهو كذلك كما صرح به الدواني تبعا للسيد.
(قوله: والطاعة) عطف على الإيمان عطف عام على خاص، واعلم أن الطاعة امتثال الأمر بالفعل مطلقا عرف الآمر أم لا توقفت على نية أم لا. والقربة فعل ما تقرب به بشرط معرفة المتقرب إليه؛ توقفت على نية أم لا. والعبادة فعل ما تقرب به بشرط معرفة المعبود والنية. (قوله: غير مراد له) أي غير مراد له وقوعه، بل أراد عدم وقوعه. (قوله: علم عدم وقوعه) أي فلما علم عدم وقوعه لم تتعلق إرادته بوقوعه؛ بل تعلقت بعدم وقوعه، وهذا بناء على ما اختاره الشارح من تعلق القدرة والإرادة بعدم الممكن، وأما على مقابله فإيمان (1) أبي جهل لم تتعلق به الإرادة لا من جهة وقوعه ولا من جهة عدم وقوعه؛ إذ لا يريد إلا ما علم وقوعه.
(قوله: منهي عنه) أي وإن قدر الله وقوعه فلا يسئل عما يفعل. (قوله: قبح الله تعالى رأيهم) أي أظهر قبحه، وإلا فهو قبيح في نفسه. (قوله: هو المراد لله تعالى) أي وإن كان لم يقع أي وكفره غير مراد وإن كان واقعا فقد وقع في ملك الله ما لا يرد، وانتفي وقوع ما أرداه، واحتج المعتزلة لما قالوه من كون الإرادة إنما تتعلق بالمأمور به بأن إرادة القبيح وهو المنهي عنه قبيح، وأن العقاب على ما أريد ظُلمٌ، وأن النهي عما يراد والأمر بما لا يراد سَفَهٌ والله منزه عن القبائح، وَرُدَّ الأول بأنه لا قبح في إرادة الله القبيحَ بل هو حسنٌ، غايةُ الأمر أنه يخفى علينا وجه حسنه، وَرُدَّ الثاني بالمنع لأنه تصرف في ملكه، وَرُدَّ الثالث بأن كلا من الأمر والنهي قد يكون امتحانا هل يطيع المأمور أم لا.
(قوله: فيلزمهم أن يقع الخ) قال الإستوى التزموا أن الله يريد الشيء ولا يقع، ويقع الشيء وهو لا يريده، قال ابن قاسم: وصدور هذه المقالة من عاقل مستبعد؛ إذ كيف يظن إنسانٌ تخلفَ مراد الله ووقوع مراد الشيطان، حتى قال بعضهم لا شك في كفر معتقد ذلك، وذكر بعضهم ما يدفع الإشكال، وحاصله أن الإرادة نوعان إرادة اختيار بمعنى أنه تعالى أراد من العباد الإيمان والطاعة برغبتهم واختياهم، وإرادة قسر وإلجاء بمعنى أنه ألجأهم إلى الفعل وقسرهم عليه، ويستحيل تخلف المراد عن الثانية لأنه يلزم من تخلفه العجز لا عن الأولى لعدم استلزامه لذلك؛ لأنه لو شاء لألجأهم وقسرهم على مراده، وَرُدَّ بأنه يكفى في لزوم العجز تخلف مراده تعالى.
(قوله: وبالجملة فالتعلقات عند أهل الحق ثلاثة) الفاء مؤخرة من تقديم، وهي واقعة في جواب شرط مقدر، أي إذا علمت هذا فأقول لك قولا ملتبسا بالجملة أي الإجمال أي فأقول لك قولًا مجملًا، وهو أن التعلقات الخ. (قوله: مرتبة) أي تعقلًا لا خارجا وهذا بالنظر لتعلق القدرة الحادث مع تعلق الإرادة التنجيزي الحادث، ولتعلق
ــــــــــــــــــــ
(1) في الطبعتين (فكفر) ، والصواب ما أثبتناه إذْ لا يستقيم المعنى إلا بذلك.