وانما لم تتعلق القدرة والإرادة بالواجب والمستحيل، لأن القدرة والإرادة لما كانتا صفتين مؤثرتين؛ ومن لازم الأثر أن يكون موجودًا بعد عدمٍ، لزم أنَّ ما لا يقبل العدم أصلًا كالواجب لا يقبل أن يكون أثرًا لهما، وإلا لزم تحصيل الحاصل، وما لا يقبل الوجود أصلًا كالمستحيل لا يقبل أيضا أن يكون أثرًا لهما؛ وإلا لزم قلب الحقائق برجوع المستحيل عين الجائز، فلا قصور أصلًا في عدم تعلق القدرة والإرادة القديمتين بالواجب والمستحيل؛ بل لو تعلقتا بهما لزم حينئذ القصور؛ لأنه يلزم على هذا التقدير الفاسد أن يجوز تعلقهما بإعدام انفسهما بل وبإعدام الذات العلية، وباثبات الألوهية لمن لا يقبلها من الحوادث، وسلبها عمن تجب له وهو مولانا جل وعز، وأي نقصٍ وفسادٍ أعظم من هذا، وبالجملة فذلك التقدير الفاسد يؤدي
[حاشية الدسوقي]
الإرادة القديم مع تعلق العلم، وإلا فهما متقارتان خارجًا، وأما بالنظر إلى تعلق القدرة الحادث مع تعلق الإرادة التنجيزي القديم وكذا تعلق الإرادة التنجيزي الحادث مع تعلق العلم فهو ترتب خارجي لترتب الحادث على القديم في الخارج.
(قوله: وإنما لم تتعلق القدرة الخ) جملة مستأنفة متعلقة من حيث المعنى بقوله سابقًا، يعنى أن القدرة والإرادة متعلقهما واحد وهو الممكنات. (قوله: ومن لازم الأثر أن يكون موجودًا بعد عدم) هذا لا يناسب ما مر من أن مختاره تعلق القدرة والإرادة بالعدم كما يتعلقان بالوجود؛ وهو قضية قوله سابقا فكل ما علم الله أنه يكون من الممكنات أوْ لا يكون فذلك مراده، ويجاب بأن في الكلام حذف أو مع ما عطفت بقرينة ما تقدم، والأصل ومن لازم الأثر أن يكون موجودا بعد عدم أو معدوما بعد وجود، وإنما اقتصر على الوجود لأن أثريته أظهر؛ وللاتفاق عليها بخلاف أثرية العدم فإنه مختلف فيها كما مر، فإن قلت الإرادة إنما تؤثر في تخصيص أحد طرفي الممكن بالوقوع بدلا عن مقابله لا بالإيجاد والإعدام، وما ذكرته من أن تعلقها هي والقدرة بالممكن يستلزم تغيره من حال عدم إلى وجود ومن وجود إلى عدم يقتضي أنها تتعلق بالإيجاد والإعدام، قلت الذي جعل مستلزما للإيجاد والإعدام هو تأثير القدرة والإرادة معًا لا تأثير الإرادة فقط، ولا يلزم من كون الشيء مستلزما لشيء أن يكون كل جزء من أجزائه مستلزما لذلك الشيء، نظير هذا كلما كان هذا حيوانا ناطقا كان إنسانا، فإن مجموع الحيوان والناطق مستلزم للإنسان، ولا يستلزمه الحيوان فقط وأما استلزام الناطق له فبطريق الاتفاق فقط لا بطريق اللزوم.
(قوله: وإلا لزم أن ما لا يقبل العدم أصلا) أي بوجه من الوجوه، (وقوله: كالواجب) أي لذاته كما يفهم من قوله أصلا، والكاف استقصائية، والواجب لذاته كذات الله وصفاته فلا تتعلق بهما القدرة والإرادة. واحترز بقوله أصلا عما يقبل العدم في الجملة كالممكن الذي تعلق علم الله بوجوده كالجنة والنار فإنه وإن كان لا يقبل العدم من حيث تعلق علم الله بوجوده لكنه يقبله من حيث ذاته فيقبل أن يكون أثرًا للقدرة والإرادة. (قوله: وإلا لزم تحصيل الحاصل) أي إنْ تعلقتا بوجوده، ولزم أيضًا قلبُ الحقائق إنْ تعلقتا بعدمه. (قوله: وما لا يبقل الوجود أصلًا) أي بوجه من الوجوه، وقوله كالمستحيل أي لذاته، والكاف استقصائية والمستحيل لذاته كشريك الباري، فلا يقبل أن يكون أثرًا لهما، واحترز بقوله أصلا من المحال لغيره كإيمان أبي لهب؛ فإنه محال لتعلق علم الله بعدم وقوعه ولكنه يقبل الوجود من حيث ذاته، فيقبل أن يكون أثرًا للقدرة والإرادة. (قوله: إلا لزم قلب الحقائق) أي وإلا بأن قبل أن يكون أثرًا لهما لزم قبل الحقائق أي إن تعلقتا بوجوده، ولزم تحصبيل الحاصل إن تعلقتا بعدمه. (قوله: برجوع الخ) الباء للسبية متعلقة بقلب، أو أنها للتصوير من قبيل تصوير الكلي بجزئي من جزئياته. (قوله: فلا قصور الخ) أي وإذا علمت أنه يلزم على تعلق القدرة والإرادة بالواجب والمستحيل المحذور المتقدم تعلم أنه لاقصور أي لا نقص ولا فساد في عدم تعلقهما بهما؛ بل القصور أي النقص والفساد لازم لتعلقهما بهما. (قوله: بل لو تعلقتا بهما) بل هنا للإضراب الإبطالي، فهي حرف ابتداء لا عاطفة على الأصح. (قوله: لزم حينئذ القصور) أي النقص والفساد. (قوله: لأنه يلزم على هذا التقدير الفاسد) أي تعلقهما بالواجب والمستحيل. (قوله: إنه يجوز تعلقهما بإعدام أنفسهما بل وبإعدام الذات العلية وباثبات الألوهية لمن لا يقبلها) هذه أمثلة ثلاثة لتعلقهما بالمستحيل؛ لأن عدم القدرة والإرادة وعدم الذات مستحيل، وكذلك ثبوت الألوهية لمن لا يقبلها، (وقوله: وسلبها عمن تجب له) مثالٌ لتعلقهما بالواجب، وذلك لأن ثبوت الألوهية لله واجب، فإذا تعلقتا بسلبها عنه فقد تعلقتا بالواجب من حيث عدمه، ويحتمل أنه مثل بالأمثلة الثلاثة لتعلقهما بالمستحيل، وقوله وسلبها عمن تجب له من عطف اللازم على الملزوم؛ فإنهما إذا تعلقتا بإثبات الألوهية لما لا يقبلها لزم سلبها عمن تجب له، والأولى للشارح أن يبدل الإعدام بالعدم، والإثبات بالثبوت، لأن