لأنه ليس من شأنه ان يتصف بالبصر عادة، وبهذا فارق هذا النوع النقيضين فإن كلا من النوعين وإن كان هو ثبوت أمر ونفيه لكن النفي في تقابل العدم والملكة مقيد بنفي الملكة عما من شأنه أن يتصف بها، وفي النقيضين لا يتقيد بذلك، وأما الضدان فهما المعنيان الوجوديان اللذان بينهما غاية الخلاف ولا تتوقف عقلية أحدهما على عقلية الآخر، ومثالهما البياض والسواد، ومرادنا بغاية الخلاف التنافي بينهما بحيث لا يصح اجتماعهما، واحترز بذلك من البياض مع الحركة مثلا فإنهما أمران وجوديان مختلفان في الحقيقة لكن ليس بينهما غاية الخلاف التي هي التنافي لصحة اجتماعهما، إذ يمكن أن يكون المحل الواحد متحركا أبيض، وأما المتضايفان
[حاشية الدسوقي]
جنسها وهو مطلق جسم، وكذا ليس من قبيل عدم الملكة إثبات العمى للأكمه أو العقرب لأن الأول إنما يقبل البصر بحسب النوع والثاني إنما يقبله بحسب الجنس القريب، وكذا ليس منه انتفاء الحركة الإرادية عن الجبل لأنه إنما يقبلها باعتبار جنسه وهو الجسم.
(قوله: لأنه ليس من شأنه أن يتصف بالبصر) أي بحسب الوقت وكذا إلا يقبل الاتصاف به بحسب الشخص ولا بحسب النوع ولا بحسب الجنس القريب ولا المتوسط وإن قبل الاتصاف به باعتبار الجنس البعيد وهو مطلق جسم. (قوله: عادة) أي في العادة المستمرة وإلا فيجوز أن يتصف به خرقا للعادة. (قوله: وبهذا) أي بهذا القيد وهو قوله عما من شأنه أن يتصف به فارق هذا النوع وهو العدم والملكة والنقيضين. (قوله: مقيد الخ) مفاد العبارة أن بين العدم والملكة والنقيضين عموما وخصوصا مطلقا مع أن بينهما التباين. والجواب: أن قوله النقيضان لا يتقيدان بذلك أي بالشأنية المذكورة، بل يتقيدان بعدمها فظهر التباين.
الحاصل أن العدم والملكة ملحوظ فيه الشأنية أي كون المحل الذي نفيت عنه الملكة شأنه أن يتصف بها بحسب الوقت، والنقيضان ملحوظ فيهما عدم تلك الشأنية فالنقيض المنفي يشترط في كونه نقيضا أن لا يكون شأنه الثبوت.
(قوله: فهما المعنيان) هذا يشعر بانه لا تضاد بين ذاتين ولا بين ذات ومعنى. (قوله: الوجوديان) أي اللذان يمكن رؤيتهما، هذا وصف كاشف إذ صفة المعنى لا تكون إلا وجودية لكنه دفع به ما يتوهم أن المراد بالمعنى ما ليس ذاتًا ولو كان عدميًا، وخرج به النقيضان والعدم الملكة. (قوله: اللذان بينهما غاية الخلاف) أي بينهما الخلاف الغائي، وفسره الشارح بالتنافي بأن لا يجتمعا فيشمل البياض والصفرة والبياض والحمرة، وفسره بعضهم بغاية التنافي كالبياض مع السواد، أما البياض والصفرة فمتنافيان فقط لا متضادان، فالتنافي مقول بالتشكيك، وهذا خارج بهذا القيد، قال وهذا أصل حقيقة التضاد وإن كان ما قاله الشارح مشهورًا وعلى هذا فتزيد أقسام المنافاة على أربعة. (قوله: ولا تتوقف عقلية أحدهما) أي ولا يتوقف تعقل أحدهما وتصوره على تعقل الآخر أي تصوره، وخرج بهذا القيد المتضايفان.
إن قلت: إنهما خارجان عن قوله المعنيان الوجوديان لما تقدم من أن المعنيين الوجوديين ما يمكن رؤيتهما، والمتضايفين ليسا بهذه المثابة، وحينئذ فلا حاجة للإتيان بقوله ولا يتوقف الخ، لإخراج المتضايفين. أجيب بأنهما وإن كانا خارجين لكن لما كان يتوهم أن المراد بالمعنى الوجودي ما ليس عدميا أي كما يأتي في المتضايفين ولا شك أنه بهذا المعنى شامل للمتضايفين أتى بهذا القيد تحقيقا لإخراجهما كذا قرر شيخنا، وذكر بعضهم أن المراد بقوله المعنيان الوجوديان أعم من أن يكونا موجودين في الخارج فقط أو في الذهن فقط أو فيهما فلذا احتاج لإخراج المتضايفين بقوله ولا يتوقف الخ. (قوله: مثالهما البياض والسواد) أي فإنهما معنيان وجوديان بينهما غاية الخلاف لا يمكن اجتماعهما أي اتصاف محل واحد بهما، (قوله: ومرادنا بغاية الخلاف التنافي بينهما) أي فكأنه قال الأمران الوجوديان اللذان بينهما تناف بحيث لا يصح اجتماعهما، والمراد باجتماعهما اتصاف المحل الواحد بهما، فإن قلت إن تعريف الضدين المذكور غير مانع لصدقه على المثالين فإنهما أمران وجوديان بينهما تنافٍ لأنه لا يمكن اجتماعهما، ويصح ارتفاعهما ولا يتوقف تعقل أحدهما على تعقل الآخر. أجيب بأن المراد بقوله بينهما غاية الخلاف أي بينهما تناف منسوب لخلافين، فخرج المثالان لأن بينهما تنافيا منسوبا لمثالين. (قوله: من البياض مع الحركة مثلا) أي وكذا كل متخالفين في الحقيقة يمكن اجتماعهما كالقدرة والعلم والأكل والقيام وغير ذلك. (قوله: إذ يمكن أن يكون المحل الواحد متحركا أبيض) أي فالخلافان يجوز اجتماعهما أي اتصاف المحل الواحد بهما مع بقاء كل على مغايرته للآخر، وأما قيامهما بمحل على أن يكون كل منهما عين الآخر فهل يمكن ذلك أم لا؟ فيه خلافٌ، مثلا الجسم هل يجوز عقلا أن تقوم به