فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 238

فهما الأمران الوجوديان اللذان بينهما غاية الخلاف وتتوقف عقلية أحدهما على عقيلة الآخر كالأبوة والبنوة مثلًا، والمراد بالوجود في المتضايفين أن كلا منهما ليس معناه عدم كذا لا أنهما موجودان في الخارج؛ إذ من المعلوم عند المحققين أن الأبوة والبنوة أمران اعتباريان لا وجود لهما في الخارج عن الذهن، وأهل الأصول يجعلون أقسام المنافاة اثنين فقط تنافي الضدين وتنافي النقيضين، ويجعلون العدم والملكة داخلين في النقيضين، والمتضايفين داخلين في الضدين

[حاشية الدسوقي]

الحلاوة والسواد على أن تكون الحلاوة عين السواد أو لا يجوز؟ فقال بعضهم بالمنع لما يلزم عليه من ثبوت التضاد وعدمه لشيء واحد؛ وذلك لأن السواد من حيث كونه سوادًا يضاد البياض، ومن حيث كونه حلاوة لا يضاده، فلو كان السواد حلاوة لزم أنه مضاد للبياض وغير مضاد له وكون الشيء مضاد الشيء وغير مضاد له باطل بالبداهة لما فيه من اجتماع النقيضين، فما أدى له باطل.

وقال بعضهم: يجوز ذلك عقلًا وليس في ذلك اجتماع النقيضين، لأن شرط التناقض اتحاد الجهة، وهنا مختلفة، وذلك لأن مضادة السواد للبياض من حيث اتصافه بالكون سوادًا وعدم مضادته من حيث اتصافه بالكون حلاوة، والقول الأول وهو القول بالمنع قول المحققين وطردوا ذلك في الحادث كما مثلنا وفي القديم، فيمتنع أن تكون القدرة مثلًا علما وذلك لأن القدرة خاصيتها التأثير في متعلقها، والعلم خاصيته انكشاف المتعلق به، فلو كانت القدرة علمًا لكانت بالخاصية الأولى تضاد العجز، وباعتبار الخاصية الثانية لا تضاده، وإنما تضاد الجهل، فيلزم أن القدرة مضادة للعجز غير متضادة له؛ وهذا باطل، لأنه اجتماع النقيضين فما أدى إليه باطل. (قوله: فهما الأمران الوجوديان) خرج النقيضان والعدم والملكة. (قوله: اللذان بينهما غاية الخلاف) أي اللذان بينهما تناف أي بحيث لا يمكن اجتماعهما. (قوله: وتتوقف الخ) خرج الضدان كالحركة والسكون والسواد والبياض. (قوله: وتتوقف عقلية أحدهما) أي تعقل أحدهما وتصوره على تعقل الآخر وتصوره. (قوله: كالأبوة) هي كون الحيوان متولدا عنه آخر من نوعه، والبنوة كون الحيوان متولدا عن آخر من نوعه. (قوله: والمراد بالوجود الخ) أي فهو مجاز وهو يحتاج لقرينة ولم توجد، فالأحسن أن يقال إن التعريف مبني على كلام الحكماء من أنَّ الإضافيات موجودة. (قوله: لا أنهما موجودان في الخارج) أي في خارج الذهن بحيث يمكن رؤيتهما. (قوله: لا وجود لهما في الخارج عن الذهن) خلافًا للفلاسفة حيث ذهبوا إلى أن الأمور النسبية كالاضافيات وغيرها أعراض موجودة، دليل ما ذكره المحققون من أنهما اعتباريان لا وجود لهما في الخارج أن الإضافيات لو كانت موجودة لكانت حَالَّةً في محل، وحلولها في المحل إضافي فهو موجود فيكون حالا في محل وحلوله إضافة فيكون موجودا حالا في محل وهكذا فيلزم التسلسل في الموجودات فتعين أنها اعتبارات لا قيام لها بمحل، فهي ليست من جملة العالم، لأن العالم عبارة عن الموجودات. والأحوال على القول بثبوتها وليس منه الاعتبار بقسميه، واستدل من قال بوجود الإضافيات بالقطع بفوقية السماء وتحتية الأرض، وأبوة زيد وبنوة عمرو سواء وجد اعتبار العقل أو لم يوجد، فيكون ذلك وجوديا لا اعتباريا عقليا. وَرُدَّ بأن القطع إنما هو بصدق قولنا السماء فوقنا كما في قولنا زيد أعمى وهذا لا يستدعي وجود الفوقية والعمى، إذ لا تلازم بين صدق القضية ووجود طرفيها.

بقي شيء آخر: وهو أن تعريف المتضايفين غير مانع لصدقه بالمتلازمين اللذين بينهما لزوم بَيِّنٌ بالمعنى الأخص كالأربعة والزوجية فإنه إذا تعقل أحدهما لزم تعقل الآخر. والجواب أن المتلازمين المذكورين وإن كان يلزم من تعقل أحدهما تعقل الآخر إلا أنه لا يتوقف تعقل أحدهما على تعقل الآخر كما في المتضايفين.

والحاصل أن تعقل الزوجية تابع لتعقل الأربعة، وليس متوقفا عليه بخلاف الأبوة والبنوة، فإن تصور كل واحد منهما متوقف على تصور الآخر.

(قوله: وأهل الأصول يجعلون أقسام المنافاة) أي الواقعة بين المعاني إذ لا تنافي بين الذوات. (قوله: اثنين) أي أنهم يردون الأقسام الأربعة عند المناطقة إلى اثنين لا أنهم ليس عندهم ما فيه المنافاة إلا اثنان؛ لأنهم يثبتون المثلين فيقولون بالتنافي بينهما بامتناع اجتماع طرفيهما.

(قوله: ويجعلون العدم والملكة داخلين في النقيضين) مراده أنهم استغنوا بذكر النقيضين عن ذكر العدم والملكة؛ فقد سكتوا عن ذكرهما استغناء بذكر النقيضين بقرب العدم والملكة منهما لدخولهما تحت مطلق الإيجاب والسلب وإن اختلف بعد ذلك، وليس المراد بإدخالهم العدم والملكة في النقيضين أنهم جعلوا العدم والملكة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت