فهرس الكتاب
واستحالة العدم عليه تعالى تستلزم استحالة الصفتين الأخيرتين عليه جل وعز وهما الحدوث وطرو العدم، لأن العدم إذا كان مستحيلا في حقه تعالى لم يتصور لا سابقا ولا لاحقًا، وبهذا تعرف أن وجوب الوجود له جل وعز يستلزم وجوب القدم والبقاء له تبارك وتعالى، فعطف القدم والبقاء هنالك على الوجود من عطف الخاص على العام، أو اللازم على الملزوم، كعطف الحدوث وطرو العدم على العدم هنا، وإنما لم يكتف بالأول في الموضعين لأن المقصود ذكر الصفات الواجبة والمستحيلة على التفصيل، لأنه لو استغنى فيها بالعام عن الخاص وبالملزوم عن اللازم لكان ذلك ذريعة إلى جهل كثير منها
[حاشية الدسوقي]
البقاء وهو لا بقاء. (قوله: واستحالة العدم الخ) القصد من هذا الكلام الدلالة على أن عطف الحدوث وطرو العدم على العدم ليس من عطف المباين، وكذلك عطف القدم والبقاء على الوجود بل إما من عطف الخاص على العام أومن عطف اللازم على الملزوم، ولأجل أن القصد ما ذكر عبر الشارح بالفاء المؤذنة بالسببية بقوله فيما يأتي فعطف الخ.
(قوله: تسلتزم استحالة الصفتين) وجهه أن طرو العدم عبارة عن العدم الطارئ وهو جزء من مطلق العدم، وكذا الحدوث الذي هو الوجود بعد عدم جزء من جزئيات مطلق العدم باعتبار أن العدم لازم له أي للحدوث، ومن المعلوم أنه إذا انتفى الكلي انتفت جزئياته. (قوله: لم يتصور) أي العدم أي لم يُصَدِّق العقل حصول العدم سابقًا ولا لاحقًا، والأولى حذف هذا لأنه لا حاجة له، وكان يقول لأن نفي العدم المطلق يلزمه نفي جزئياته التي هي أعدام مقيدة. (قوله: وبهذا) أي بما تقدم من بيان استلزام استحالة العدم لاستحالة الصفتين الأخيرتين تعرف الخ، وذلك أن استحالة العدم وامتناعه مساوية لوجوب الوجود؛ إذ كل ما وجب وجوده استحال عدمه وبالعكس، لأن الحق نفي الحال والواسطة، كما أن استحالة الصفتين الأخيرتين مساوية لوجوب القدم والبقاء، وإذا ثبت التساوي بين الملزومين واللازمين لزم منه التساوي في بيان اللزوم، فصار كل واحد يستلزم ما عطف عليه، واستحالة العدم تسلزم استحالة الحدوث، وطرو العدم ووجوب الوجود مستلزم للقدم والبقاء.
(قوله: أن وجوب الوجود الخ) أي لأن الوجود إذا كان واجبًا أي لا يقبل الانتفاء بحالٍ؛ أي لا سابقا ولا لاحقا يلزم منه وجوب القدم والبقاء، وذلك لأن القدم نفي العدم السابق، والبقاء نفي العدم اللاحق. (قوله: فعطف القدم والبقاء هنالك على الوجود من عطف الخاص على العام أو اللازم على الملزوم) فيه بحث من وجوهٍ:
أولها: أن مقتضى قوله سابقا:"واستحالة العدم عليه تعالى تستلزم استحالة الصفتين الأخيرتين عليه"وقوله بعده:"وبهذا تعرف أن وجوب الوجود له يستلزم وجوب القدم والبقاء"أنَّ الملتفت له في العطف اللزوم لا العموم والخصوص.
ثانيها: أن كلامه حيث جعل الوجود عامًا يقتضي أنه كلي له جزئيات من جملتها القدم والبقاء؛ وهو لا يصح؛ لأنهما سلبيان والوجود غير سلبي لأنه إما عين الذات أو حال واجبة للذات، وكيف يصح أن يكون السلبي من أفراد الوجودي.
ثالثها: أن مقتضى كونه من عطف اللازم على الملزوم بطلان جعله من عطف الخاص على العام؛ لأن اللازم إما مساوٍ لملزومه أو أعم منه، والمطابق لذلك أن يُجْعَل من عطف العام على الخاص لا من عطف الخاص على العام، وأجيب بأن مراد الشارح بقوله فعطف القدم والبقاء أي باعتبار وصفهما بالوجوب، وقوله على الوجود أي بهذا الاعتبار، وقوله من عطف الخاص على العام مراده بالخاص ما كان متحملا لفرد لا ما كان جزئيًا، ومراده بالعام ما كان متحملا لفردين لا ما كان كليًا، ولا شك أن وجوب الوجود وهو عدم قبول الانتفاء سابقا ولاحقا متحمل لفردين القدم والبقاء، وكل منهما متحمل لفرد واحدٍ، بيان ذلك أن وجوب الوجود في قوة قضية كلية قائلة لا ينفي وجوده بحال، والقدم في قوة فضية جزئية قائلة لا عدم سابق، والبقاء كذلك في قوة قضية جزئية قائلة لا عدم لاحق، وهما من أفراد الكلية الأولى، لأن ما لا ينفي وجوده بحال صادق على لا عدم سابق وعلى لا عدم لا حق، ومن المعلوم أنه يلزم من صدق الكلية صدق الجزئية، فقول الشارح من عطف الخاص على العام أو اللازم على الملزوم أو للتخيير أي أنك مخير إن شئت جعلت العطف من عطف الخاص على العام نظرًا لقلة أفراد المعطوف، وإن شئت جعلته من عطف اللازم نظرًا إلى أنه يلزم من صدق الكلية صدق الجزئية؛ فلا منافاة بين كون القضية الجزئية خاصة لدخولها في الكلية وقله أفرادها وبين كونها لازمة لها لاستلزام الكلية للجزئية.
(قوله: كعطف الحدوث وطرو العدم على العدم هنا) تشبيه في مجموع الأمرين أعنى كونه عطف خاص على عام أو لازم على ملزوم، وقوله كعطف الحدوث