فهرس الكتاب
أي تأخذ ذاته العلية قدرا من الفراغ أو يكون عَرَضًَا يقوم بالجرم أو يكون في جهة للجرم، أو له هو جهة، أو يتقيد بمكان أو زمان
[حاشية الدسوقي]
قائم بنفسه تأمل. (قوله: أي تأخذ الخ) هذا تفسير للجرم بما هو من صفاته التي لا يعقل بدونها وهو التحيز، فهو تفسير باللازم، ويقع في كلام أهل هذا الفن ألفاظٌ ثلاثةٌ: التحيز والمتحيز والحيز، فالمتحيز الجرم، والتحيز أخذه قدر ذاته من الفراغ، والحيز هو القدر الذي أخذه الجرم من الفرغ. وإنما عبر بالجرم دون الجسم والجوهر لأنه أعم منهما؛ إذ هو عبارة عما أخذ قدر ذاته من الفراغ سواء كان مركبا أوْ لا، والجوهر هو الذي لم يتركب بان بلغ في الدقة إلى حدٍ لا يقبل معه القسمة عقلًا، والجسم عبارة عما تركب من جوهرين فأكثر، فلو قال بأن يكون جسما لاقتضى أن مماثلته للحوادث إنما تكون بكونه مركبًا فلو كان جوهرا فردا لا يكون مماثلًا، ولو قال بان يكون جوهرًا لاقتضى أنه إنما يكون مماثلا بسبب كونه جوهرًا فلو كان مركبا لا يكون مماثلًا، فعبر بالجرم الصادق بكل منهما.
(قوله: من الفراغ) متعلق بتأخذ أو صفة لِقَدْرًَا أي تأخذ من الفراغ قدرًا، أو تأخذ قدرًا كائنا من الفراغ، فذات الله ليست كذوات الحوادث تأخذ قدرًا من الفارغ، ولا يعلم الله إلا ال. له (قوله: يقوم بالجرم) على حذف أي التفسيرية لأن هذا تفسير للعرض بما هو من لوازمه، لأن من صفات نفسه أن يقومَ بمحل، ويستحيل قيامه بنفسه، فجملة يقوم بالجرم جارية مجري التفسير للعرض، وليس نعتًا لعرض بناء على القاعدة النحوية من أن الجمل بعد النكرات صفات، لأن الصفات قيود للموصوفات في الأصل، فَتُوْهِمُ أن هناك عرضا لا يقوم بالجرم وليس كذلك، وإنما عبر بالعرض لأنه أخص من الصفة، فكل عرض صفةٌ ولا عكس، بدليل أنه يقال صفات الله لا أعراضه، فالعرض لا يكون إلا حادثًا، والصفة قد تكون حادثة إذا كانت لحادث، وقد تكون قديمة إذا كانت لقديم.
(قوله: أو يكون في جهة للجرم) بأن يكون عن يمين الجرم كالعرش مثلا أو شماله أو فوقه أو تحته أو أمامه أو خلفه؛ لأن الحلول في الجهات لا يُعْلَم إلا للجرم، فلما ذكر استحالة الجرمية عليه تعالى ذكر استحالة لوازمها بقوله أو يكون الخ (قوله: أو له هو جهة) أتى بضمير الفصل لئلا يتوهم أن ضمير له للجرم، وحاصله أنه يستحيل أن يكون له تعالى جهة بأن يكون له يمين أو شمال أو فوق أو تحت أو خلف أو أمام لأن الجهات الست من عوارض الجسم، ففوق من عوارض عضو الرأس، وتحت من عوارض عضو الرجل، ويمين وشمال من عوارض الجنب الأيمن والأيسر، وأمام وخلف من عوارض عضو البطن والظهر، ومن استحال عليه أن يكون جرما استحال عليه أن يتصف بهذه الأعضاء ولوازمها، قال في شرح الوسطي: وعندنا جرم ليس في جهة ولا له جهة وهو كرة العالم، إذ لو كانت كذلك لزم عدم تناهي الأجرام، ولزم التسلسل وهما محالان، وجرم ليس له جهة وهو في جهة لغيره وهو الحيوان الذي لا يَعْقِل، وجرم في جهة وله هو جهة وهو الإنسان، فعلم من هذا أن الجهات خاصة بمن يَعْقِل، فإذا أضيفت الجهات لغير العاقل كان كذلك بالنظر للعاقل، فإذا قيل يمين المحراب أو شماله فباعتبار المصلي فيه، وإذا قيل يمين الفرس فبالنظر للواقف في محلها، إذا علمت هذا تعلم أن قوله: أوْ لَهُ هو جهة عطف على ما قبله من عطف الخاص على العام؛ إذ كل من له جهة من الأجرام فهو في جهة لغيره، وليس كل من هو في جهة منها له جهة كالحيوان غير العاقل. (قوله: أو يتقيد بمكان) بأن يحل فيه على الدوام، وكذا يستحيل عليه الحلول في المكان لا على الدوام بان يكون فوق العرش أو في السماء، والمكان عند أهل السنة كما تقدم الفراغ الذي يحل فيه الجرم، فهو موهوم، وأما عند الفلاسفة فهو السطح الذي بماسه الجسم، فإن أراد المكان بالمعنى المصطلح عليه عند أهل السنة فيستغني عنه بقوله سابقا تأخذ ذاته العلية قدرًا من الفراغ سواء تقيد به أم لا، فالأولى أن يراد به السطح الذي يماسه الجسم. (قوله: أو زمان) وذلك لأن المكان والزمان حادثان فلا يتقيد بهما إلا ما كان حادثًا، والمولى قديمٌ، وكيف يتقيد القديم بالحادث، والتقييد بالزمان بأن يكون وجوده مقارنا لزمانٍ.
واعلم أن التقييد بالمكان من لوازم الجرم دون العرض؛ كالجهة فإنها إنما تكون للجرم دون العرض، وأما التقييد بالزمان فهو من لوازم الجرم والعرض، والزمان عند المتكلمين اقتران متجدد موهوم