فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 238

أو تتصف ذاته العلية بالحوادث، أو يتصف بالصغر أو الكبر، أو يتصف بالأغراض في الأفعال والأحكام.

(ش) المثلان هما الأمران المتساويان في جميع صفات النفس، وهي التي لا تتقرر حقيقة الذات بدونها، فالمتساويان في بعض صفات النفس أو في العرضيات وهي الصفات الخارجة عن حقيقة الذات ليسا بمثلين، فَزَيْدٌ مثلا إنما يماثله من ساواه في جميع صفاته النفسية وهي كونه حيوانا ذا نفس ناطقة أي مفكرة بالقوة، أما ما ساواه في بعضها كالفرس الذي ساواه في مجرد الحيوانية فقط فليس مثلا له، وكذا ما ساواه في الصفات العرضيات كالبياض الذي ساواه في الحدوث وصحة الرؤية ونحو ذلك فليس أيضا مثلا له، فإذا عرفت حقيقة المثلين فاعلم أن العالم كله منحصر في الأجرام والأعراض

[حاشية الدسوقي]

بمتجدد معلوم كقولك سيجيء زيد عند طلوع الشمس، فمجيء زيد موهوم، وطلوع الشمس معلوم، واقترانهما هو الزمان، فهو نسبة بين متناسبين، والمتناسبان حادثان، والنسبة التي بينهما التي هي الزمان حادثة كذلك؛ بمعنى متجددة بعد عدم. (قوله: أو تتصف ذاته العلية بالحوادث) أي لأن اتصافه بها يقتضي حدوثه، لأن من اتصف بالحوادث لا يسبقها، وما لا يسبقها حادث مثلها، فلا يتصف بحركة ولا سكون ولا بياض ولا سواد، ولا بقدرة حادثة أو إرادة حادثة ونحوهما.

(قوله: أو يتصف بالصغر) يعنى قلة الأجزاء، والكبر كثرتها فليس المولى قليل الأجزاء كالآدمى الصغير، ولا كثير الأجزاء كالآدمى الطويل العريض، وأما استحالة اتصافه بطول العمر أو قصره فتؤخذ استحالتهما من استحالة تقييده بالزمان، وإنما استحال اتصافه بالصغر والكبر لأنه لو اتصف بهما لكان جرمًا؛ لكن التالي باطل. (قوله: أو يتصف بالأغراض في الأفعال) أي كإيجاد العالم ورزقه، والأحكام جمع حكم كإيجاب الصلاة، فالأحكام مباينة للأفعال، والأغراض جمع غرض وهي المصلحة الباعثة على حكم أو فعل، وإنما استحال عليه أن يكون فعله أو حُكْمُه لغرض لأن المصلحة إن كانت ترجع إليه لزم اتصافه بالحوادث؛ إذ لا تحصل له المصلحة إلا بعد الفعل أو الحكم الحادثين، وقد مر استحالة اتصافه بالحوادث؛ وإن كانت المصلحة ترجع لخلقه لزم احتياجه في إيصال المنفعة لخلقه إلى واسطة، واحتياجه باطل. (قوله: وهي) أي صفات النفس، وقوله التي لا تتقرر أي الصفات التي لا تتقرر حقيقة الذات أي ماهيتها بدونها، ومراده التقرر ذِهْنًَا بمعنى التعقل، والتقرر خارجا بمعنى التحقق، فالذات لا تتعقل بدون الصفات النفسية، ولا تتحقق في الخارج بدونها، فزيد مثلا لا تتعقل ماهية ذاته بدون الحيوانية والناطقية، ولا توجد في الخارج بدونهما، وأورد على هذا التعريف أنه صادق على اللازم الذهني كالزوجية بالنسبة للأربعة، فإن الأربعة لا تتقرر ذهنا ولا خارجا بدون الزوجية مع أن الزوجية ليست صفة نفسية للأربعة، وأجيب بأن المراد بقوله الصفة التي لا تتقرر الذات بدونها أي الصفة الذاتية التي لا تتقرر الذات الخ لكونها جزء من حقيقة الموصوف، فخرجت الزوجية فإنها وإن توقف تقرر الأربعة عليها لكنها ليست جزء من حقيقتها، وإنما هي خارجة عنها أعم منها، ثم إن ما اقتضاه هذا التعريف من أن الصفة النفسية هي الصفة الذاتية الداخلة في الموصوف على أنها جزء منه يخالف ما سبق له من أن الصفة النفيسة هي الحال غير المعللة الواجبة للذات مدة دوامها، فإن هذا يقتضي أن الصفة النفسية خارجة عن الذات كالتحيز للجرم والحدوث والامكان وكون الجوهر جوهرا أو ذاتا أو حادثا أو قابلا للأعراض الخ، والتحقيق ما سبق كما في المقاصد.

(قوله: وهي كونه حيوانًا) فيه تسمح، والأولى وهي الحيوان أعني الجسم النامي. (قوله: أي مفكرة بالقوة) أي القابلة للتفكر والتأمل بالقوة العاقلة لا المفكرة بالفعل، ودفع بهذا التفسير ما يتوهم من أن المراد بالنطق النطق باللسان.

(قوله: وكذا ما ساواه في الصفات العرضيات) أي الخارجة عن الذات وإن كانت لازمة لها. واعلم أن ما ذكره من أن المماثل لزيد هو من ساواه في الحيوانية والناطقية التي هي جميع أوصافه الذاتية، وأن حقيقة الإنسان والفرس متغايران لعدم تساويهما في جميع الذاتيات، إنما يأتي على مذهب الفلاسفة والمناطقة من أن حقيقة كل نوع مخالفة لحقيقة غيره من الأنواع لاختلافها بالفصول، وأما المتكلمون فالأجسام كلها عندهم متماثلة في الماهية وأنها كلها مركبة من جواهر فردة لا تختالف إلا بالعوارض كالحيوانية والناطقية؛ فهي عندهم عوارض فيجوز على كل واحد منها ما جاز على الآخر، ولا فرق بين منيرها ومظلمها، ولهذا صح مسخ الإنسان قردا ونحوه، وإلا فلا يجوز تبدل الحقائق واختلاف الأجناس كأن يصير الجوهر عرضا والعرض جوهرًا، أو الحركة سكونًا، أو اللون طعمًا ونحو ذلك.

(قوله: منحصرًا في الأجرام والأعراض) ما مشى عليه من حصر العالم في شيئين مذهب جمهور أهل السنة، وأثبت الفلاسفة والغزالي قسمًا آخر غير الأجرام والأعراض ليس بمتحيز ولا قائم بمتحيز

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت