فهرس الكتاب
وهي المعني التي تقوم بالأجرام، ولا شك أن من صفات نفس الجرم التحيز، أي أخذه قدرًا من الفراغ بحيث يجوز أن يسكن في ذلك القدر أو يتحرك عنه، ومن صفات نفسه قبوله للأعراض أي للصفات الحادثة من حركة وسكون واجتماع وافتراق وألوان وأغراض ونحو ذلك، ومن صفات نفسه التخصيص ببعض الجهات وببعض الأمكنة، وهذه الصفات كلها مستحيلة على مولانا جل وعز، فيلزم أن لا يكون تعالى جِرْمَا، وأما العَرَض فمن صفة نفسه قيامه بالجرم، ومن صفات نفسه وجوب العدم له في الزمان الثاني
[حاشية الدسوقي]
وسموه بالمجردات لتجردها عن المادة وعن الجرمية والعرضية، وذلك كالعقول العشرة، والنفوس التي هي الأرواح، وكالملائكة على ما قال الغزالي. (قوله: وهي) أي الأعراض المعاني إن أراد بها ما قابل الذات بدليل قوله التي تقوم بالأجرام فيشمل الأحوال كالمعنوية على القول بثبوت الأحوال؛ لكن فيه أن الأحوال لا يقال لها أعراض حقيقةً؛ لأن حقيقة العرض الوصف الوجودي القائم بموجود؛ إلا أن يقال إنه تفسير مراد، وإن أراد المعاني اصطلاحًا وهي الأوصاف الوجودية التي يمكن رؤيتها فلا يشملها.
والحاصل أنه على القول بثبوت الأحوال فالأحوال من جملة العالم، وأما على القول بنفيها فالعالم الأجرام والصفات الوجودية فقط، وعلى كلٍ فالأمور الاعتبارية ليست من العالم.
(قوله: ولا شك أن من صفات نفس الجرم التحيز الخ) جَعْلُهُ التحيزَ صفةً نفسيةً للجرم إنما يظهر على ما تقدم له سابقا من أن الصفة النفسية هي الحال غير المعللة الواجبة للذات مدة دوامها لا على ما ذكره هنا من أن الصفة النفسية هي الصفة الذاتية الداخلة في حقيقة الشيء، وكذا يقال في قبول الجرم للأعراض وما بعده. (قوله: واجتماع وافتراق) قد تقدم أن الحق أنهما اعتباريان، ففي عدهما من الأعراض نظرٌ. (قوله: وأغراض) بالغين المعجمة لا بالمهملة جمع غرض بفتح الراء وإلا كان تبيينا للشيء بنفسه، لأن قوله من حركة وسكون وما عطف عليه تبيين للأعراض؛ اللهم إلا أن يقال إنه بالعين المهملة جمع عرض بسكون الراء وهو ما قابل الطول. (قوله: ونحو ذلك) أي كالصغر والكبر وكالمقدار من طول وعرض وعمق، وكالشم والذوق والملس.
(قوله: التخصيص ببعض الجهات وببعض الأمكنة) أي إن من لوازم الجرم كون المولى يخصصه ببعض جهات الشيء، وببعض أمكنة يحصل فيها، فقوله ومن صفاته النفسية أي من لوازمه، وإن كان التخصيص قائمًا بغيره ليس المراد أن التخصيص المذكور من صفاته القائمة به؛ لأن كون المولى يخصصه ليس قائمًا به إلا أن يقال المراد بتخصيصه كونه مخصصا بما ذكر، فالتخصيص مصدرُ المبني للمفعول، ثم إن كون التخصيص ببعض الجهات وببعض الأمكنة صفة نفسية للجرم ومن لوازمه فيه نظرٌ، إذ لو كان كذلك لزم تساوي الأجرام في ذلك؛ لتحقق المماثلة بينها؛ وذلك لا يصح لأن كرة العالم من جملة الأجرام، وليست في جهة ولا مكان والالزم التسلسل، وحينئذ فالتخصيص المذكور ليس صفة نفسية للجرم أي ليست من لوازمه، وهذا البحث بعينه يجري في التحيز، فتأمل.
واعلم أن المكان على مذهب المتكلمين قد يتحد مع الجهة ذاتا ويختلفان اعتبارا، فإذا حللت في فراغ عن يمين زيد فذلك الفراغ من حيث حلولك فيه مكان، ومن حيث كونه عن يمين زيد جهة لزيد، وما قلناه من أن كرة العالم ليست في مكان بناء على أن المكان هو الفراغ، أما على أن المكان عبارة عن السطح المماس للجسم فكرة العالم في مكان، لأن كل جزء مكان لما يليه، والبعض مكان للبعض، وإذا كان كل جزء مكانًا كان المجموع في مكان كذا قيل، ويرد عليه الجزء الأسفل.
(قوله: قيامه بالجرم) أي فهو أمر لازم لكل عرض؛ فلا يمكن انفكاك عرض عن ذلك. (قوله: ومن صفات نفسه وجوب العدم الخ) أي فالبياض القائم بيد زيد مثلا من لوازمه إنه بمجرد إيجاد الله له ينعدم بنفسه بدون معدم، وقدرة المولى إنما تؤثر في وجوده، وأما عدمه فمن لوازمه؛ فلا يحتاج إلى تعلق القدرة به، هذا ما مشى عليه الشارح وهو مذهب الأشعري ومن تبعه، واستدلوا على امتناع بقاء الأعراض بأن البقاء صفة لذات الباقي، فلو بقي العرض لكان له بقاء وهو عرض فيلزم قيام العرض بالعرض وهو باطل، ورُدَّ بأن البقاء ليس عرضا لأن العرض هو الوصف الوجودي، والبقاء وصف سلبي فلا يلزم على بقاء العرض قيام العرض بالعرض، والحق أن العرض ما عدا الأصوات يبقى زمانين، وأن البياض القائم بالجرم في هذا الزمان هو البياض الذي كان قائما به في الزمن الماضي بعينه، وأن إعدام العرض بالقدرة فهي تؤثر في وجوده وعدمه؛ واحتج القائلون بحواز بقاء الأعراض بأنها وجدت في الزمان الأول بعد عدمها فهي