فهرس الكتاب
لوجوده بحيث لا يبقى أصلًا، وهذا كله مستحيل على مولانا جل وعز، فليس إذًا بعرض لأنه تعالى يجب قيامه بنفسه على ما عرفت تفسيره فيما سبق، ويجب له جل وعز القدم والبقاء، فلا يقبل العدم أصلًا، وبالجملة فكل ما سوى مولانا جل وعز يلزمه الحدوث والافتقار إلى المخصص، ومولانا جل وعز يجب له الوجود والغنى المطلق، فيلزم إذًا أن يكون تبارك وتعالى مباينا لكل ما سواه أيا كان ذلك الغير جرما أو عرضا أو غيرهما إن قدر أن في العالم ما ليس بجرم ولا عرض؛ إذ على تقدير وجود هذا القسم في العالم فهو حادث بدليل الإجماع كما أن القسمين الأولين حادثان بدليل العقل
[حاشية الدسوقي]
ممكنة، والإمكان ليس من عوارض الماهية وإلا جاز انقلاب الممكن ممتنعا وهو باطل، بل هو من لوازمها؛ فتكون ممكنة أبدًا فيجوز وجودها في جميع الأزمنة. بقي شيءٌ آخر: وهو أن جعل وجوب العدم له صفة نفسية فيه نظر؛ لأن الوصف النفسي ثبوتي، وعدم البقاء سلبي، ويمكن أن يجاب بأن الشارح تسامح باطلاق صفة النفس على الحكم واللازم، فكأنه قال ومن أحكام العرض ولوازمه وجوب العدم له الخ.
(قوله: لوجوده) أي في الزمن الثاني بالنسبة لوجوده. (قوله: بحيث لا يبقى أصلا) أي بجميع أنواعه، وقيل يبقى بجميع أنواعه، وقيل تبقى الألوان والطعوم والروائح، وقيل بالوقف. قاله يس. (قوله: وعبارة لا يبقى أصلا الخ) من هنا لقوله ثلاثة أزمنة ساقط من النسخ، فهو حاشية ألحقها بعض الكتبة بالأصل. (قوله: وهذا) أي ما ذكر من القيام بالجرم ووجوب الانعدام بمجرد الوجود.
(قوله: لأنه تعالى يجب قيامه الخ) الأولى ولأنه لأن هذا إشارة إلى دليل ثان على أنه ليس بعرض وهو من الشكل الثاني، وهو الباري لا يقبل العدم والعرض يقبل العدم ينتج المولى ليس بعرض، ولما كانت الصغرى نظرية استدل عليها بقوله لأنه تعالى يجب قيامه بنفسه حالة كون ذلك آتيًا على التفسير الذي قد عرفته وهو استغناؤه غنى مطلقا فكأنه قال لأنه تعالى يجب استغناؤه غنى مطلقا، ويجب له القدم والبقاء. (قوله: وبالجملة الخ) لما أثبت أنه تعالى ليس بجرم على حدته، وأثبت أنه ليس بعرض على حدته أشار لدليل ثانٍ على أنه تعالى ليس بجرم ولا عرض. وحاصله أن الجرم والعرض يلزمهما الافتقار، والمولى يلزمه الغنى المطلق فقد تنافت اللوازم، وتنافي اللوازم يدل على تنافي الملزومات، فتركب قياسا من الشكل الثاني، وتقول الباري يجب له الغنى المطلق، ولا شيء من الأجرام والأعراض يجب له الغنى المطلق، ينتج الباري سبحانه وتعالى ليس بجرم ولا عرض.
(قوله: فكل ما سوى الخ) ليست الصفات الذاتية من السوى، لأنها ليست عينًا ولا غيرًا، فلا تدخل فيه هنا ولا في قوله مباينًا لكل ما سواه، ولا في الغير في قوله أو غيرهما.
(قوله: أو غيرهما) أي وهو المجردات، وهي عند من أثبتها جواهر قائمة بنفسها ليست بجرم حتى تكون حالَّةً في فراغٍ ولا عرضٍ حتى تكون قائمة بغيرها، وهذا القسم اثبته بعضهم وجعل منه الأرواح والملائكة كما مر، فقد شارك هذا القسم الباريَ في كونه ليس جِرْمًَا ولا عرضًا؛ لكن خالفه في كونه حادثًا والباري قديمٌ، وبعضهم نفى ثبوت هذا القسم وقال العالم إما جواهر أو أعراض فقط، فعلى نفيه فالأمر ظاهر، وأما على القول بثبوته فنقول إن حدوث الأجرام والأعراض قد عُلم من الدليل العقلي، وحدوث هذا القسم يؤخذ من الدليل السمعي، ولا يقال إن فيه دورا لأننا إنما استدللنا بالسمع على حدوث هذا القسم بعد الاستدلال بالأعراض والأجرام على ثبوت الباري وعلى صدق الرسل، فلما تقرر ثبوت الباري وصدق الرسل بحدوث الأجرام والأعراض استدللنا على حدوث المجردات بالسمع.
واعلم أنه لا يلزم في اعتقاد ثبوت هذا القسم ضررٌ في العقيدة، فاعتقاد أن الملائكة ليست أجساما ولا أعراضا ولا حالة في فراغ غير مضر في العقيدة، وذكر في شرح الوسطى ما نصه والدليل على حدوث هذا الزائد على تقدير وجوده أنه يستحيل أن يكون إلها لما يأتي من برهان وجوب الوحدانية له تعالى، وإذا لم يكن إلها فقد دلت السنة والإجماع على انفراد مولانا بالقدم، وأن كل ما سواه حادث، وثبوت هذا الزائد لا يتوقف ثبوت الشرع على معرفته، فلا يمنع الاستدلال بأدلة الشرع عليه اهـ. وأشار بالسنة لما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم: (كان الله ولا شيء معه) .
(قوله: بدليل الإجماع) الإضافة بيانية أي فقد أجمعت الأمة على أن المجردات حادثة، والإجماع لا بد من استناده لدليل سمعي وإن لم نطلع عليه، والدليل السمعي الذي استند له الإجماع هنا قوله صلى الله عليه وسلم: (كان الله ولا شيء معه) . (قوله: بدليل العقل) وهو أن الأعراض متغيرة، وكل متغير حادثٌ، فالأعراض حادثةٌ، ثم تقول الأجرام ملازمة للأعراض الحادثة، واللازم