فهرس الكتاب
وبهما يتوصل إلى معرفة الله تعالى، ومعرفة رسله عليهم الصلاة والسلام، حتى صح لنا أن نستدل بالنقل عنهم على حدوث ذلك القسم المقدَّر، إذ لا يصلح للألوهية قطعا بدليل برهان الوحدانية، والإجماع على حدوث كل ما سوى الإله الحق تبارك وتعالى، فقد استبان لك أن لا مثل له جل وعز أصلًا؛ لأن التباين في اللوازم دليل على التباين في الملزومات، وبالله تعالى التوفيق.
(ص) وكذا يستحيل عليه تعالى أن لا يكون قائمًا بنفسه؛ بأن يكون صفة يقوم بمحل أو يحتاج إلى مخصص.
(ش) قد عرفت فيما سبق معنى قيامه تعالى بنفسه، وأنه عبارة عن استغنائه تعالى عن المحل والمخصص؛ أي ليس هو تعالى معنى من المعاني أي الأشياء التي ليست بذوات فيحتاج إلى محلٍ، أي ذات يقوم بها، وليس جل وعز أيضا بجائز العدم فيحتاج إلى المخصص أي الفاعل الذي يخصص كل جائز ببعض ما جاز عليه بل هو جل وعز واجب القدم والبقاء، لا تقبل ذاته العلية ولا صفاته الرفيعة العدم أصلًا، فهو المنفرد بالغنى المطلق وحده تبارك وتعالى.
(ص) وكدا يستحيل عليه تعالى أن لا يكون واحدا بأن يكون مركبا في ذاته أو يكون له مماثل في ذاته
[حاشية الدسوقي]
للحادث حادثٌ، فالأجرام حادثةٌ، هذا هو الدليل العقلي. (قوله: وبهما) أي بالأجرام والأعراض أي بحدوثهما. (قوله: ومعرفة رسله الخ) بناء على أن دلالة المعجزة على صدق الرسل عقليةٌ. (قوله: حتى صح لنا الخ) أي فإذا ثبت معرفة الرب والرسل بحدوث الأجرام والأعراض صح لنا الخ. ولا يلزم من استدلالنا بالسمع على المجردات الدور كما علمت، والدليل هو الإجماع المستند للدليل السمعي، فقوله بالنقل أي الذي هو مستند الإجماع. (قوله: إذ لا يصلح للألوهية) حاصله أن القسم الثالث لا يصلح أن يكون إلها بدليل الوحدانية، وإذا لم يكن إلها فنقول إنه حادث لأنه قد دل الإجماع على انفراد مولانا بالقدم وأن ما سواء حادثٌ. (قوله: والإجماع الخ) بالجر عطفا على برهان الوحدانية أي وبدليل الإجماع على حدوث كل ما سواه، ويحتمل العطف على النقل أي وحتى صح لنا أن نستدل بالإجماع، ويصح رفعه بالابتداء، وقوله"على حدوث"خبره، والجملة مستأنفة مرتبطة بشيء مقدر يدل عليه السياق، والأصل إذ لا يصح أن يكون إلها قطعا بدليل برهان الوحدانية ولا قديما غير إله للاجماع الخ، وهذا الاحتمال أحسن لأنه أوفق بعبارة الوسطى. (قوله: فقد استبان لك) أي تبين لك من قوله وبالجملة الخ. (قوله: لأن التباين في اللوازم الخ) تقدم أن لازم المولى الغنى المطلق ولازم ما سواه الافتقار، وقد تقدم أن الشكل الثاني مبني على أن تنافي اللوازم يوجب تنافي الملزومات، فنقول المولى يجب له الغنى المطلق ولا شيء من الأعراض والأجرام يجب له الغني المطلق ينتج المولى ليس بجرم ولا عرض. (قوله: في اللوازم) أي لازم الباري كالغنى المطلق ولازم الحوادث كالافتقار. (وقوله: الملزومات) هي المولى والحوادث. (قوله: وكذا يستحيل عليه تعالى الخ) فيه أن المناسب لكون الكلام في عَدِّ المستحيلات وعطف بعضها على بعض أن يحذف قوله وكذا يستحيل ويقول وأن لا يكون قائما بنفسه. وأجيب بأنه غير الأسلوب لطول الكلام على المماثلة، ولئلا يتوهم أنه من متعلقاتها، وأن قوله"وأن لا يكون"عطف على قوله"بأن يكون جرما"ولابد من تقدير الواو مع ما عطفت بعدَ قوله"والممثلة للحوادث"لأجل أن يستوفي المبتدأ خبره في قوله وهي العدم.
ثم إن المصنف استطرد فغير الأسلوب فيما بعد أيضا إلا في ضد الإرادة لقربه من ضد القدرة مع اتحاد القدرة والإرادة في المتعلق، وإلا في ضد الحياة والسمع والبصر لاتصالها بما قبلها. (قوله: أن لا يكون قائما بنفسه) أي عدم القيام بنفسه، ومقابلة هذا لقيامه بالنفس مقابلة النقيضين. (قوله: بأن يكون صفة) أتى بهذا ردا على بعض النصارى القائل بأن الإله صفة قائمة بمحل واتحدت تلك الصفة بعيسى كما سبق، وإلا فمعلوم أن ذواتنا كذلك يستحيل أن تكون صفة فلا وجه للاحتراز عنها، وإنما استحال كونه صفة يقوم بمحل لأنه لو افتقر لمحل لما كان أولى بالألوهية من المحل الذي افتقر هو إليه. (قوله: يقوم بمحل) وصف كاشف للصفة. (قوله: أو يحتاج إلى مخصص) أي مؤثر يؤثر تخصيصه ببعض الأمور أي لأنه لو احتاج للمخصص لكان حادثًا، لكن التالي باطل لما سبق من وجوب القدم له تعالى فالمقدم مثله، وإذا علمت ذلك تعلم أن هذه العقيدة وهي عدم الاحتياج للمخصص معلومة ضمنًا من وجوب القدم، ولذا فسر الجمهور القيام بالنفس باستغنائه عن المحل فقط، وتقدم ذلك في الكلام على الواجبات. (قوله: بل هو عز واجب الوجود الخ) إضراب انتقالي عن قوله وليس بجائز العدم الخ، ويكفي في الإضراب التغاير ولو بحسب اللفظ كما هنا. (قوله: الرفيعة) أي المرتفعة. (قوله: العدم أصلا) أي سواء كان ذلك العدم سابقا عليها أو لاحقا لها وطارئا عليها. (قوله: أن لا يكون واحدا) أي نفي الوحدة، وتقابل الوحدة لنفيها تقابل النقيضين. (قوله: بأن يكون مركبا في ذاته) يصح أن تكون الباء للتصوير فكأنه قال ويُصور نفي الوحدة بكونه مركبا في ذاته بأن تكون ذاته جزئين فأكثر، وأن تكون للسببية، فكأنه قال: ونفي الوحدة بسبب كونه مركبًا في ذاته، وأشار به للكم المتصل في الذات، ووقع به الرد على المجسمة. (قوله: أو يكون له مماثل في ذاته) أشار به للكم المنفصل