فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 238

أو في صفاته أو يكون معه في الوجود مؤثر في فعل من الأفعال.

(ش) قد عرفت أن أوجه الوحدانية ثلاثةٌ: وحدانية الذات، ووحدانية الصفات، ووحدانية الأفعال، وكلها واجبة لمولانا جل وعز وحده، فوحدانية الذات تنفي التركيب في ذاته تعالى، ووجود ذات أخرى تماثل الذات العلية، وبالجملة فوحدانية الذات تنفي التعدد في حقيقتها متصلا كان أو منفصلا، ووحدانية الصفات تنفي التعدد في حقيقة كل واحدة منها متصلا أيضا كان أو منفصلا، فعلم مولانا جل وعز ليس له ثان يماثله لا متصلا أي قائما بالذات العلية ولا منفصلا أي قائما بذات أخرى؛ بل هو تعالى يعلم المعلومات التي لا نهاية لها بعلم واحد لا عدد له ولا ثاني له أصلا، وقس على هذا سائر صفات مولانا جل وعز، ووحدانية الأفعال تنفي أن يكون ثم اختراع لكل ما سوى مولانا جل وعز في فعل من الأفعال، بل جميع الكائنات حادثة قد عمها العجز الضروري الدائم عن إيجاد أثر ما، ومولانا جل وعز هو المنفرد باختراعها وحده بلا واسطة، وما ينسب منها إلى غيره عز وجل على وجه يظهر منه التأثير فهو مؤول وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.

(ص) وكذا يستجيل عليه تعالى

[حاشية الدسوقي]

في الذات وذلك بأن توجد ذاتٌ أخرى مثل ذاته، فيلزم أن يصدق أن له مماثلا لذاته، فـ"في"بمعنى اللام، ويصح بقاؤها على حالها ويراد بالذات الحقيقة أي فيلزم أن يصدق حينئذ أن له مماثلًا في حقيقته؛ ووقع به الرد على المجوس. (قوله: أو في صفاته) أي أو يكون له مماثل في صفاته بأن يكون هناك ذات حادثة مماثلةٌ له في صفة من صفاته، وأشار بهذا للكم المنفصل في الصفات، ولا يقال هذا ليس داخلًا تحت عبارة المصنف؛ لأن صفات جمع فلم بحكم إلا باستحالة أن يكون هناك من يماثله في ثلاث صفات أو أكثر لا باستحالة من يماثله في صفة أو صفتين؛ لأنا نقول إضافة صفات للضمير تفيد العموم لكل فرد، فقوله يستحيل أن يكون له مماثل في صفاته في قوة قولنا يستحيل أن يكون له مماثل في أي صفة من صفاته، وبقي على المصنف الكم المتصل في الصفات بأن يكون له صفات مماثلة كقدرتين الخ، ويمكن أخذه من قوله بأن يكون مركبا في ذاته أي تركيبا منظورًا فيه لذاته أعم من أن بكون التركيب في نفس الذات أو صفاتها كذا قيل، وأنت خبير بأنه قد علم مما مَرَّ أن الكم المتصل عبارة عن المقدار الحاصل من اتصال شيئين فأكثر كالمقدار الحاصل من اجتماع أجزاء السرير بعد التركيب، وجعل الصفتين كعلمين مثلًا كَمًَّا متصلًا فيه تسمح، إذ لا مقدار حاصل منهما لاستحالة اتصالهما وإلا لكان الصفات العشرون كَمًَّا متصلا وهو باطل لوجوب ثبوت العشرين صفة، والحال أن الوحدانية نفت الكم المتصل، فالظاهر أن الكم المتصل لا يكون في الصفات كذا قرره شيخنا فتدبر.

(قوله: أو يكون معه في الوجود مؤثر) وقع به الرد على الطبائعيين والفلاسفة والقدرية. (قوله: تنفي التركيب) أراد به التركب أو في الكلام حذف مضاف أي تنفي أثر التركيب. (قوله: أي قائما بالذات) في هذا التعبير قلاقة إذ حيث قام كل من العلمين بالذات فاعتبار أحدهما ثانيًا أي زائدًا على الآخر تحكم، فالأولى أن يقول فيستحيل أن يكون لمولانا علمان أو يكون علم مماثل لعلمه قائما بغيره، وبعد هذا فكلام الشارح يفيد أن المماثلة في الصفات شاملة للكم المتصل والمنفصل فيها، والحق ما قاله في المتن حيث أدخل وحدة الصفات مع نفي الكم المنفصل في الذات حيث قال أو يكون له مماثل في ذاته أو صفاته، فدل على أن الصفة لا يتصور فيها الكم المتصل حقيقة إذ الاتصال في الصفة والمعنى محال. (قوله: التي لا نهاية لها) أي في الواقع وإن كان المولى يعلمها تفصيلًا. (قوله: بعلم واحد) أي بخلاف العلم القائم بالمخلوقات فإنه متعدد بتعدد المعلومات على ما اختاره المصنف، واختار غيره أن القائم بالمخلوقات علم واحد متعلق بمعلومات متعددة. (قوله: لا عدد له) أي لا تعدد فيه فهو نفي للكم المتصل فيه. (وقوله: ولا ثاني له) أي بحيث تكون ذات لها علم كعلم الله فهو نفي للكم المنفصل فيه. (قوله: اختراع) أي إيجاد لكل ما سوى الله في فعل من الأفعال، فالمنفي إنما هو مشاركة المولى في إيجاد الأفعال، وهذا لا ينافي أن الفعل ينسب للعبد من حيث الكسب، وهو تعلق قدرة العبد بالمقدور أي مقارنتها في الوجود للفعل المكسوب، فالعبد إذا أراد فعلًا خلق فيه قدرةً وخلق ذلك الفعل المراد متقارنين في الوجود، فاقترانهما في الوجود هو الكسب، وإنما قلنا إن المقارنة بحسب الوجود للاحتراز عن التعقل؛ فإن القدرة سابقة على الفعل في التعقل، فعلمت من هذا أن القدرة الحادثة عَرَضٌ مقارن للفعل لا موجود قبله، وأن إرادة العبد للفعل سبب في إيجاد الله الفعلَ والقدرةَ معًا. وعلمت أن مقارنة القدرة للفعل تسمى كسبًا، وقد يطلق الكسب على المكسوب وهو الحركات المقارنة للقدرة، وعلمت أن الفعل ينسب لله إيجادًا وللعبد كسبًا. (قوله: الضروري) أي المدرك بالضرورة والبداهة. (قوله: وما ينسب منها) أي من الآثار لغيره تعالى كنسبة التأثير للسبب في قولهم السبب يؤثر بطرفيه، وكما في قوله تعالى: {فَتُثِيرُ سَحَابًا} [الروم: 48] فقد أسند إثارة السحاب للرياح، وقوله تعالى: {فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [التوبة: 124] . فأسند زيادة الإيمان للآيات. (قوله: مؤول) أي بأنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت