العجز عن ممكن ما.
(ش) قد عرفت أن قدرته تبارك وتعالى واحدة عامة التعلق بجميع الممكنات، إذ لو اختصت ببعضها دون بعض لافتقرت إلى مخصص فتكون حادثة، وهو محال على مولانا تبارك وتعالى، فلو اتصف تعالى بالعجز عن ممكن ما لانتفى العموم الواجب للقدرة، بل ويلزم عليه نفي القدرة أصلًا لاستحالة اجتماع الضدين
[حاشية الدسوقي]
من قبيل المجاز العقلي حيث أسند الفعل إلى سببه، وهذا لا ينافي أن المؤثر حقيقة هو الله تعالى. (قوله: العجز) هو صفة وجودية قائمة بالعاجز لا يتأني معها إيجاد ولا إعدام، فبينه وبين القدرة تقابل الضدين، لأنهما معنيان وجوديان، وهذا مذهب الجمهور، ووجهوه بما في الشاهد من أن في الزَّمِنَ معنى لا يوجد في الممنوع من الفعل مع اشترا كهما في عدم التمكن من الفعل، وقال أبو هاشم الجبائي والفخر تبعًا للفلاسفة العجز عدم القدرة عما من شأنه أن يكون قادرًا، فالعمود لا يقال له عاجز، وعلى هذا القول فالتقابل بين القدرة والعجز من تقابل العدم والملكة، وعليه فليس في الزَّمِنِ صفة محققة تضاد القدرة، بل الفرق بينه وبين الممنوع من الفعل أن الزَّمِنَ ليس بقادرٍ، والممنوع قادرٌ، ثم إنه على القول الثاني لا يتعلق لأنه وصف عدمي، وأما على أنه وصف وجودي يضاد القدرة فقال الأشعري إنما يتعلق بالموجود كالقدرة؛ لأن تعلق الصفة الموجودة بالمعدوم خيال، فالزَّمِنُ مثلًا عاجزٌ عن القعود لا عن القيام أي إن عجزه تعلق بالقعود الموجود بمعنى إنه صفة أوجبت له القعود الموجود، ولم تتعلق بالقيام المعدوم، ورده السعد وغيره بأنه مكابرةٌ، لأن العجز على تقدير كونه وجوديًا وإن لم يقم عليه دليل فلا مانع من تعلقه بكل من الموجود والمعدوم كالعلم والإرادة، فَتَحَصَّلَ أن الحق أن العجز وجودي يتعلق بالموجود والمعدوم، فالعجز القائم بالزَّمِن تعلق بكل من القيام والقعود بمعنى أنه صفة أوجبت له القعود ومنعته من القيام، ولأجل كون العجز يتعلق بالأمرين لا بالموجود فقط أطبق العلماء على أن عجز البلغاء المتحدين عن معارضة القرآن إنما هو عن الإتيان بمثله لا عن السكوت وترك المعارضة. (قوله: عن ممكن ما) أي عن ممكن أي ممكن كان سواء كان جرمًا أو عرضًا أو غيرهما. فقوله:"ما"نعت لممكن مفيد لعمومه، ثم إن النسخة التي فيها عن ممكن ما ظاهرة، وفي نسخة على ممكن ما، واعترضت بأن مادة العجز تتعدى بعن لا بعلى، وأجيب عنها بأن على بمعنى عن، أو أنه ضَمَّنَ العجز معنى سلب القدرة، وتكون"على"متعلقة بالقدرة بناء على المذهب الكوفي من جواز نيابة بعض حروف الجر عن بعض، والمذهب البصري من عدم الجواز وارتكاب التضمن فيما ظاهره النيابة بان يضمن الفعل معنى يليق بالحرف، وفي قوله عن ممكن إعلام بأن العجز إنما يتعلق بما تتعلق به القدرة، وهو الممكنات وحينئذ فلا يوصف المولى بالعجز لأجل عدم تعلق قدرته بالواجبات كذاته وصفاته والمستحيلات كولد أو شريك لأن الواجبات والمستحيلات ليستا متعلقين للعجز.
(قوله: إذ لو اختصت الخ) حاصله أن قدرة المولى لو اختصت ببعض الممكنات دون بعض لافتقرت إلى مخصص يخصصها بذلك البعض الذي تتعلق به؛ لكن افتقارها إلى مخصص محال إذ لو افتقرت إلى مخصص لكانت حادثةً؛ لكن كونها حادثة محال؛ فما أدى إليه وهو افتقارها لمخصص محالٌ، فما أدى إليه وهو اختصاصها ببعض الممكنات محالٌ، فثبت نقيضه وهو عدم الاختصاص الذي هو تعلقها بجميع الممكنات وهو المطلوب.
إذا علمت هذا تعلم أن الشارح قد حذف الاستثنائية من الدليل الأول، ومقدم الشرطية من الدليل الثاني المستدل به على الاستثنائية المحذوفة، وقوله وهو محال إشارة للاستثنائية في الثاني، وإنما كان حدوثها محالا لما يلزم عليه من حدوثه تعالى، لأن المتصف بالحوادث لا يكون سابقا عليها، وما لا يسبقها حادث مثلها.
إن قلت لا نسلم الملازمة في قوله لو اختصت ببعض الممكنات لافتقرت إلى مخصصٍ، لم لا يجوز تعلقها بالجميع، لكن منع منه مانع. قلت: المانع إن كان مُضادا لصفة لزم عدمها، وعدم القديم محال، وإن كان غير مضاد لها فلا أثر، ولا يمنع من تعلقها بالجميع، وأيضا التعلق نفسي يستحيل أن يمنع منه مانع لأن ما بالذات لا يتخلف، والمانع في حقنا إنما منع وجود الصفة لتعددها بالنسبة الينا لا تعلقها.
(قوله: الواجب للقدرة) أي بالدليل المتقدم. (قوله: لاستحالة اجتماع الضدين) أي وهما القدرة والعجز. إن قلت إن القدرة على تقدير اتصافه بالعجز عن ممكن متعلقة بشيء غير الشيء الذي تعلق به العجز، وهذا لا يوجب اجتماع الضدين.
قلت العلة