(ص) وإيجاد شيء من العالم مع كراهته لوجوده أي عدم إرادته له تعالى أو مع الذهول أو الغفلة
[حاشية الدسوقي]
في تعلق القدرة بالممكنات الإمكان، وحينئذ فهي تتعلق بكل شيء ممكن، فثبوت العجز عن ممكن يلزم عليه اجتماع الضدين العجز والقدرة، وإذا ثبت العجز ارتفعت القدرة.
والحاصل أن هذا المعجوز عنه ممكن، وكل ممكن تتعلق به القدرة ينتج هذا المعجوز عنه مقدور عليه، وهذا يلزم عليه اجتماع القدرة وضدها. (قوله: وإيجاد شيء من العالم) عطف على العجز أي ويستحيل عليه العجز وإيجاد شيء، وفي الكلام حذف أو مع ما عطفت أي أو إعدامه يدل عليه ما ذكره سابقًا من عموم تعلق الإرادة، وكان المناسب لكون المقام مقام عد أضداد الصفات أن يقول وكراهته أي عدم قصده، لكنه عبر بما قال إشارة إلى أن وقوع فرد واحد مثلا من أفراد العالم دون إرادته ينافي إرادته العامة التعلق، لأن خروج فرد منها ينفي العموم، وأحرى خروج جميع العالم عن إرادته، ولأجل التصريح بإبطال مذهب المعتزلة القائلين أنه تعالى لا يريد من الممكنات الشرور والقبائح ككفر الكافر وعصيان العاصي بل هي واقعة بغير ارادة الله تعالى.
(قوله: مع كراهته) الضمير لله، والضمير في قوله لوجوده يعود على الشيء أي يستحيل على الله إيجاد شيء مع كراهته تعالى لذلك الشيء. (قوله: أي عدم إرادته له) إنما فسر الكراهة بما ذكر مع أن التفسير من وظائف الشراح لا المتون لأجل أن يحترز من الكراهة الشرعية التي هي من أقسام الحكم الشرعي، وهي طلب الكف عن الفعل طلبا جازما أو غير جازم، لأنها يصح أن تجتمع مع الإيجاد؛ فيوجد الله الفعل مع كونه كرهه أي نهى عنه شرعًا كما أضل الله كثيرًا من الخلق مع نهيه لهم عن ذلك الضلال، ولدفع ما يقال إن الكراهة إنما تقابل الإرادة إذا كانت بمعنى الميل والشهوة فيقال اشتهى فلان كذا وكرهه، والإرادة بهذا المعنى إنما تكون في حق الحوادث، وأما في حق الله فهي بمعنى القصد، وهي بهذا المعنى لا تقابلها الكراهة.
وحاصل الدفع أن المراد بالكراهة عدم الإرادة لا بغض الشيء، والحاصل أن الكراهة عقلية وشرعية، والعقلية قسمان: عدم إرادة الشيء، وبغض الشيء وعدم الميل له، فالأولى هي التي يستحيل وجود الفعل معها بخلاف الثانية، ففسر المصنف الكراهة بذلك التفسير لبيان أن المراد بها العقلية لا الشرعية، ودفعا لتوهم أن المراد بها البغض للشيء. واعلم أن بين الكراهتين عموما وخصوصا من وجهٍ، فيجتمعان في كفر المؤمن فإن المولى كرهه كراهة عقلية أي لم يرده، وكرهه كراهة شرعية بأن طلب من المؤمن أن يكف عن الكفر طلبا جازمًا، وتنفرد الكراهة العقلية في إيمان الكافر فإن المولى قد كرهه كراهة عقلية أي لم يرده، ولم يكرهه كراهة شرعية بل أمر به، وتنفرد الكراهة الشرعية في كفر الكافر لأنه تعالى نهاه عنه ووقع بإرادته، فوقوعه بإراداته يدل على أنه تعالى لم يكرهه كراهة عقليةً، ودل قوله أي عدم إرادته على أن التقابل بين الإرادة والكراهة تقابل العدم والملكة، لأنه فسر الكراهة بعدم الإرادة.
إن قلت: لا يتعين ما ذكر إلا لو قال المصنف أي عدم إرادته لما من شأنه ان يراد كما تقدم في تعريف العدم والملكة.
قلت: لما فرض ذلك في العالم الذي هو ممكن لم يحتج لذلك القيد هنا؛ لأن شانه أن يراد لإمكانه كذا قيل، وفيه أن هذا الشرط معتبر من جهة المعنى لا من جهة النطق، فكلما صحت فيه الملكة وقابلها عدم كان التقابل تقابل عدم وملكة، وليس من شرط ذلك أن يقال في التقابل عدم كذا عما من شأنه كذا؛ لأن كونه من شأنه أن يقبل كذا معتبر من حيث المعنى لا من حيث النطق، على أن هذا الشرط إنما اعتبر بالنسبة للموصوف لا بالنسبة للمتعلق.
(قوله: أو مع الذهول أو الغفله) عطف على قوله مع كراهته أي إيجاده شيئًا من الكائنات حال كون ذلك الإيجاد مصاحبا للذهول أو الغفلة، قيل إن الذهول أعم من الغفلة، وذلك لأنك إذا تركت الشيء الذي تعرفه حتى زال من عندك فإن زال من القوة المدركة فقط مع بقائه في الحافظة قيل لذلك الزوال غفلة وسهو، وأما الذهول فهو أعم فيقال لزوال الشيء من المدركة فقط، ولزواله من المدركة والحافظة، وأما النسيان فهو خاص بزواله منهما معًا، فالذهول أعم من كل من النسيان ومن الغفلة المرادفة للسهو والنسيان، مباين للغفلة والسهو.
وقيل إن الغفلة أعم