فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 238

أو بالتعليل أو بالطبع.

(ش) قد عرفت أن حقيقة الإرادة هي القصد إلى تخصيص الجائز ببعض ما يجوز عليه، وقد تقرر أن إرادته تعالى عامة التعلق لجميع الممكنات فيلزم أن يستحيل وقوع شيء منها بغير إرادة منه تعالى لوقوع ذلك الشيء، وذلك ينفي إرادته تعالى لضد ذلك الواقع؛ وإلا لاجتمع الضدان

[حاشية الدسوقي]

من الذهول، فالذهول هو الغيبة عن الشيء بعد سبق شعور به، والغفلة أعم فهي الغيبة عن الشيء سبق الشعور به أوْ لا.

وقيل: إنهما مترادفان.

فإن قلت: الذهول والغفلة ليسا من أضداد الإرادة، بل من أضداد العلم كالجهل والظن والوهم، والذي من أضدادها الإيجاد بطريق العلة أو الطبع لكونهما ينفيان الاختيار، وكذلك الكراهة العقلية؟

قلت: إن الإرادة في جانب المولى بمعنى القصد لا بمعنى الميل والشهوة كما في حق الحوادث، ولا شك أن الإرادة بمعنى القصد مستلزمة للعلم، والعلم لازم لها، والذهول والغفلة منافيان لذلك اللازم، وكل ما نافى اللازم نافى الملزوم، والمصنف مراده بالضد هنا كل مناف فشمل ما كان بواسطة كهذا. كذا في السكتاني، وظاهره أن الذهول والغفلة لا ينافيان الإرادة إلا بواسطة العلم، وفيه نظر، بل هما منافيان لها بلا واسطة، لأنه لا قصد مع الذهول والعفلة، فهما منافيان لها وإن كانا أيضا منافيين للعلم، ولا منع في منافاة شيء لأشياء.

فإن قلت: حيث جعلنا الذهول والغفلة منافيين للإرادة بسبب منافاتهما للعلم اللازم لها كان مقتضاه أن يجعل الجهل وما في معناه من كل ما كان منافيا للعلم كالظن والوهم من أضداد الإرادة أيضًا، والمصنف لم يجعل ذلك من أضدادها.

قلت: ما ذكرته مسلم؛ لكن لما كان الجهل وما في معناه يقابل العلم لغة وشرعًا حتى إنه لا يذكر في مقابلته غيره من الذهول والغفلة خُصَّ الجهل وما في معناه بمنافاة العلم نظرًا للغة والشرع، وأما الذهول والغفلة فكثيرًا ما يقابلان بالقصد الذي هو الإرادة، فلذا خصا بمقابلتها. (قوله: أو بالتعليل أو بالطبع) عطف على قوله مع كراهته كالذي قبله، أي إيجاده شيئا من العالم بالتعليل، أي حالة كونه متلبسا بالتعليل أو بالطبع أو بسبب التعليل أي بسبب كونه علة أو طبيعة، فالباء للملابسة أو السببية.

إن قلت: تفسير الكراهة بعدم الإرادة يوجب صدقها على الذهول والغفلة والتعليل والطبع، إذْ الإيجاد مع كل واحدٍ من هذه الأربعة غير مرادٍ؛ وحينئذ ففي كلامه تكرار من قبيل عطف الخاص على العام. قلت: المقصود ذكر الواجبات والمستحيلات على وجه التفصيل، ولو استغنى فيها بذكر العام عن الخاص لكان ذلك ذريعة للجهل بكثير من العقائد، لأن إدخال الجزئيات تحت الكليات عسر. (قوله: قد عرفت أن حقيقة الإرادة هي القصد إلى تخصيص الجائز) أي الأمر الجائز الممكن ببعض ما يجوز عليه، وفيه أن الذي قدمه في الإرادة أنها صفة تؤثر في اختصاص أحد طرفي الممكن؛ ولم يعلم مما قدمه أنها القصد، على أن القصد ليس له إلا تعلق تنجيزي قديم، والإرادة لها ثلاثة تعلقات كما مر، وحينئذ لا يظهر تفسيرها بالقصد.

(قوله: وقد تقرر الخ) حاصله أنه قد تقرر أن إرادته تعالى عامة التعلق بجميع الممكنات سواء كانت خيرًا أو شرًا، وهذا يستلزم استحالة وقوع شيء من الممكنات ككفر أبي جهل من غير أن يريد المولى وقوع ذلك الممكن، وحينئذ فكفر أبي جهل إنما وقع بإرادته إذ لو وقع بغير إرادته لم تكن إرادته عامة التعلق، والفرض أنها عامة التعلق، وهذا أي استحالة وقوع كفر أبي جهل بغير إرادته المقتضي وقوعه بإرادته ينفي إرادته تعالى لإيمانه، إذ لو أراد إيمانه مع كونه أراد كفره لزم اجتماع الضدين الإيمان والكفر، وهو باطل، فقول الشارح لوقوع ذلك الشيء"ال"فيه للعهد الذكري، أي ذلك الشيء المستحيل وقوعه من غير إرادته، وقوله وذلك أي استحالة وقوع شيء منها بغير إرادته المقتضي أن وقوع جميع الأشياء بإرادته، وقوله وإلا أي وإلا لو أراد ضد ذلك الواقع لاجتمع الخ، هذا حاصل كلامه وفيه نوع مضاربة، لأن أول كلامه وهو قوله وذلك ينفي الخ يقتضي أن المانع من تعلق الإرادة بضد الواقع استحالة وقوع شيء بغير إرادته، وآخر كلامه وهو قوله: وإلا لاجتمع الضدان يقتضي أن المانع من تعلق الإرادة بضد الواقع اجتماع الضدين، والمعول عليه الأخير. وبعد ذلك فاعلم أن للإرادة تعلقين أحدهما عام وهو قبولها لأن يتخصص بها كل ممكن خيرًا أو شرًا. والثاني خاص وهو تخصيص كل ممكن بالحالة التي هو عليها من ثبوت أو عدم، وإن صح في العقل أن يكون على خلافه، والأول هو التعلق الصلوحى، والثاني هو التنجيزي، إذا تقرر هذا فاعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت