فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 238

وينفي اتصافه تعالى بالذهول والغفلة لأنهما منافيان للقصد الذي هو معنى الإرادة، وينفي أيضا أن تكون الذات العلية علة لوجود شيء من الممكنات أو مؤثرة فيه بالطبع؛ لأنه يلزم عليه قدم ذلك الممكن لوجوب اقتران العلة بمعلولها والطبيعة بمطبوعها، وذلك ينافي إرادة وجود ذلك الممكن القديم، لأن القصد إلى إيجاد الموجود محال إذ هو من باب تحصيل الحاصل؛ ولهذا لما اعتقدت الملحدة من الفلاسفة أهلكهم الله تعالى أن استناد العالم إليه تعالى إنما هو على طريق استناد المعلول إلى العلة قالوا بقدم العالم ونفوا لعنهم الله جميع الصفات الواجبة لمولانا جل وعز من القدرة والإرادة وغيرهما

[حاشية الدسوقي]

أن إرادته لشيء على وجه القبول والصلاحية لا ينفي إرادته لضده على وجه القبول والصلاحية؛ وإلا لزم عدم عموم تعلقها، وإرادته تنجيز الشيء بمعنى تخصيصه وتنجيز إيجاده بالقدرة ينفي إرادته لضد ذلك الواقع، فوقوع كفر أبي جهل بإرادته ينفي إرادته لإيمانه من حيث التعلق التنجيزي لا الصلوحي، وحينئذ فعموم التعلق إنما هو باعتبار الصلوحى، وأما التنجيزي فهو خاص بالواقع، وإرادة الشيء إنما تمنع إرادة ضده بالنسبة للتنجيزي لا للصلوحي، فصدر كلام الشارح ناظر فيه للصلوحي، وآخره وهو قوله وذلك ينفي الخ ناظر فيه للتنجيزي، فاندفع ما يقال إن أول كلامه يعارض آخره، لأن مقتضي كون إرادة الشيء تمنع إرادة ضده يقتضي أن الإرادة غير عامة التعلق، وقد ذكر أولًا أنها عامة التعلق فتأمل.

(قوله: وينفي) أي استحالة وقوع شيء من الممكنات بغير إرادته، (وقوله: أيضا) أي كما نفى إرادته لضد الواقع. (قوله: لأنهما منافيان للقصد الخ) أي فلو اتصف بهما ووقع شيء من الممكنات كان واقعًا بغير إرادته، وقد علمت أن وقوع شيء منها بغير إرادته محال، لوجوب عموم تعلقها بجميع الممكنات. (قوله: وينفي) أي استحالة وقوع شيء من الممكنات بغير إرادته، وقوله أيضا أي كما نفى إرادته لضد الواقع واتصافه بالذهول والغفلة.

(قوله: علة لوجود شيء الخ) أي كحركة الأصبع المؤثرة في حركة الخاتم، فالفلاسفة يقولون إن المولى كحركة اليد أثر في العالم كتأثيرها في حركة الخاتم. (قوله: أو مؤثرة فيه بالطبع) المراد بالطبع هنا الحقيقة كما في تأثير النار بحرارتها فيما تؤثر فيه، والأدوية في الأمراض ونحو ذلك.

واعلم أن التأثير بالذات إن توقف على وجود شرط وانتفاء مانع فيقال له تأثير بالطبع، وإن لم يتوقف على ذلك فهو التأثير بالعلة كما يأتي. (قوله: وذلك) أي كون الممكن قديما ينافي الخ. (قوله: لأن القصد إلى إيجاد الموجود محال) علة لقوله ينافي، وفيه أنه عبث لا مُحَالٌ، والمحال إنما هو إيجاد الحاصل. (وقوله: إذ هو أي إيجاد الموجود) من باب تحصيل الحاصل وهو محال، ولا يصح عود الضمير للقصد إلى إيجاد الموجود لأن هذا ليس من تحصيل الحاصل، فإن قدر مضاف صح أي من باب طلب تحصيل الحاصل. (قوله: ولهذا) أي ولا جل وجوب اقتران العلة بالمعلول والطبيعة بالمطبوع قالوا بقدم العالم لئلا يلزم تخلف المعلول عن علته، ويحتمل أن الإشارة راجعة لمنافاة التعليل والطبع للإرادة أي لا جل ذلك قالوا بقدم العالم لئلا يلزم من حدوثه أن يكون مرادًا.

(قوله: الملحدة) أي الزائغين عن طريق الصواب. (قوله: من الفلاسفة) بيان للملحدة أو أن"من"للتبعيض والأول أنسب بالواقع. (قوله: إنما هو على طريق استناد المعلول إلى العلة) أي لأنهم قالوا واجب الوجود لا يكون إلا واحدا من جميع الوجوه لا تعدد فيه، والواحد من كل وجه إنما ينشأ عنه بطريق العلة واحدٌ؛ وذلك الذي نشا عن المولى بطريق العلة واحدٌ، وذلك الذي نشأ عن المولى بطريق العلة سموه بالعقل الأول، ثم إن هذا العقل له جهة إمكان من حيث إن الغير أثر فيه، وجهة وجوب من حيث إنه لا أول له لكون علته كذلك، فنشأ عنه من الجهة الأولى بطريق التعليل فُلْكٌ أول، ونشأ عنه من الجهة الثانية بطريق العلة عَقْلٌ ثانٍ مدبر لذلك الفلك، ثم إن العقل الثاني له جهتان أيضا فنشأ عنهما عقل ثالث وفلك ثان، وهكذا إلى فلك القمر، فتكاملت العقول عشرة، والأفلاك تسعة، والعقل العاشر المدبر لفلك القمر يفيض الكون والفساد على ما تحت ذلك الفلك من العنصريات، وأنواعها قديمة وأثر فيها بالتعليل وأشخاصها حادثة.

(قوله: قالوا بقدم العالم الخ) اعلم أن الفلاسفة يقولون العالم إما مجردات أو ماديات، فالمجردات منها ما هو قديم كالعقول العشرة والنفوس الفلكية، ومنها ما هو حادث كالنفوس البشرية، وأما الماديات فالفلكيات قديمة بموادها وصورها وأعراضها من الشكل واللون والضوء ونوع حركتها، وأما شخص الحركة فحادثٌ، وأما العنصريات فإنها قديمة بالنوع أي أنواعها قديمة وأفرادها حادثةٌ، والمراد بالقدم القدم الزماني لا الذاتي كما بيناه فيما تقدم عند تقسيمهم القديم لذاتي وزماني، والحادث كذلك.

(قوله: ونفوا لعنهم الله جميع الصفات) يحتمل أن يكون مستأنفا وهو ظاهر، ويحتمل ارتباطه بما قبله وهو استناد العالم له تعالى على جهة التعليل وهو مشكلٌ؛ لأن استناد العالم له تعالى على وجه التعليل إنما يقتضي نفي صفتي التأثير أعنى القدرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت