فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 238

وذلك كفر صراح، والفرق بين الإيجاد على طريق العلة والإيجاد على طريق الطبع وإن كانا مشتركين في عدم الاختيار أن الإيجاد بطريق العلة لا يتوقف على وجود شرط ولا انتفاء مانع، والإيجاد بطريق الطبع يتوقف على ذلك، ولهذا يلزم اقتران العلة بمعلولها كتحرك الأصبع مع الخاتم التي هي فيه مثلًا، ولا يلزم اقتران الطبيعة بمطبوعها كاحراق النار مع الحطب لأنه قد لا يحترق بالنار لوجود مانع وهو البلل فيه مثلا، أو تخلف شرط كعدم مماسة النار له، وهذا في حق الحادث، أما الباري جل وعز فلو كان فعله بالتعليل أو بالطبع لزم قدم الفعل فيهما معا لوجوب قدمه تعالى واقتران الفعل حينئذ بوجوده تعالى، أمَّا على التعليل فظاهر، وأمَّا على الطبع فلا يصح أن يكون ثم مانع وإلا لزم أن يوجد الفعل أبدا لأن ذلك المانع لا يكون إلا قديما

[حاشية الدسوقي]

والإرادة لمنافاتهما الإيجاب الذاتي، وأما العلم وغيره مما ليس للتأثير فالتعليل لا يستلزم نفيه، نعم غير القدرة والإرادة مما ليس من صفات التأثير نفوه لهوس أخر وهو أن الشيء يتكثر بتكثر صفاته، فلو كان له صفات للزم تكثر القديم، والقديم يجب عدم التكثر فيه، ويمكن الجواب بأن يقال قوله: ونفوا جميع الصفات من باب الحكم على المجموع لا على كل فرد.

واعلم أن الذي نفاه الفلاسفة الصفات الوجودية، وأما السلبية فيقولون بها.

إن قلت: هذا الكلام يقتضي أن الفلاسفة لا يثبتون العلم وهو مخالف لما اشتهر من قولهم إن المولى يعلم الكليات ولم يعلم الجزئيات. قلت: لا مخالفة، وذلك لأن قدماء الفلاسفة ينفون العلم ويقولون إن واجب الوجود موجب، والموجب لا يحتاج في تأثيره إلى شعور بأثره كاقتضاء ذات الشمس الإضاءة عند من يعتقد أن ذاتها علة لذلك، ولا تحتاج لشعور، وأما متأخروهم كفلاسفة الإسلام الذين حقنوا دماءهم بإظهار الإسلام كابن سينا والفارابي ونظائرهم فيثبتون علمه بالكليات دون الجزئيات لتغيرها، فيتغير العلم بها والواجب لا يتغير، ولأن الجزئي تنطبع صورته في النفس، والصورة مركبة ولا ينطبع المركب إلا في مركب، والواجب لذاته غير مركب.

(قوله: وذلك) أي نفي الصفات كفرٌ. فإن قلت: المعتزلة ينفون المعاني، والراجح عدم كفرهم فما الفرق بينهما؟

قلت: المعتزلة إنما ينفون زيادة المعاني على الذات مع اعترافهم بثبوت أحكامها وهي المعنوية بخلاف الفلاسفة فإنهم ينفون المعاني وأحكامها، فيلزمهم ثبوت أضدادها، فالمعتزلة يقولون إنه عالم بذاته، والفلاسفة يقولون إنه لا علم له أصلًا لا بالذات ولا زائدًا عليها، وهذه المقالة وهي نفيهم الصفات إحدى المقالات الثلاث التي كفرت بها الفلاسفة، والثانية نفي المعاد الجسماني وإثبات المعاد الروحاني، والثالثة أن النبوة مكتسبة، وزاد بعضهم رابعة: وهي إنكارهم تعلق علم الله بالجزئيات. وأراد بالفلاسفة كل من كان على عقائدهم الفاسدة ممن كان قبل الإسلام أو بعده. (قوله: ولهذا) أي لأجل عدم التوقف في الأول والتوقف في الثاني. (قوله: مع الخاتم) أي مع تحريك الخاتم، فحركة الأصبع عله في حركة الخاتم، وهما متقارنتان، هذا على ما يقولون، ونحن نقول كل من الحركتين مخلوق لله، ولا يضر تلازمهما عقلًا؛ ألا ترى أن الجوهر والعرض متلازمان عقلًا، وكل منهما مخلوق لله.

(قوله: التي هي فيه) نعت للخاتم، والضمير الأول للخاتم، والثاني للأصبع، أي مع الخاتم التي هي أي الخاتم في الأصبع، أو إنه نعت للأصبع، فالضمير الأول له، والثاني للخاتم أي الأصبع التي هي في الخاتم، وذلك لإطلاق لفظ فيه على كل من الأصبع والخاتم، والأصبع تذكر وتؤنث، كما يصح تأنيث الخاتم بتأويله بالحلية، والأصل في المعنى أن الأصبع في الخاتم، ويقال الخاتم في الأصبع كما يقال القلنسوة في الرأس، وهو مجاز متعارف. (قوله: كإحراق النار) الذي يستفاد من كلام السكتاني حيث فسر الطبع بالحقيقة أن الطبيعة النار المحرقة، وأن المطبوع هو إحراق الحطب أي أن النار المحرقة أثرت في الحطب الإحراق بذاتها.

(قوله: وهذا) أي الفرق الذي ذكرناه بين الإيجاد بالعلة والإيجاد بالطبع من التوقف في الطبيعة وعدمه في العلة في حق الحادث إن قدرنا جواز كونه علة أو طبيعة، وإلا فالفاعل الحقيقي هو الله. (قوله: لزم قدم الفعل) أي لقدم العلة والطبيعة. (قوله: فيهما) أي في حالة ما لو كان فاعلا بالتعليل وحالة ما لو كان فاعلًا.بالطبع (قوله: واقتران الفعل) عطف على قدم الفعل من عطف العلة على المعلول أي لزم قدم الفعل لاقتران الفعل بوجوده تعالى حين إذ كان فاعلا بالعلة أو الطبع. (قوله: أما على التعليل) أي اما اقتران الفعل بوجوده تعالى على أنه علة في الفعل فظاهر لأن الإيجاد بالعلة لا يتوقف على شيء أصلا. (قوله: وأما على الطبع) أي وأما اقتران الفعل بوجوده تعالى على أنه فاعل بطبعه فلأنه لا يصح أن يكون في الأزل مانع وجودي منع من مقارنة الفعل لوجوده تعالى؛ وإنه لما زال المانع وجد الفعل. (قوله: وإلا لزم) أي وإلا لو صح أن يكون في الأزل مانع منع من مقارنة الفعل لوجوده تعالى لزم أن لا يوجد الفعل أصلًا لا في الأزل ولا فيما لا يزال (قوله: لأن ذلك المانع الخ) أي لأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت