فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 238

والقديم لا ينعدم أبدًا، ولا يصح تأخر الشرط لما يلزم عليه من التسلسل، فلهذا قلنا فيما سبق إنه يلزم على تقدير التعليل أو الطبع في حقه تعالى قدم المعلول أو المطبوع، وقد قام البرهان على وجوب الحدوث لكل ما سواه تعالى وعلى وجوب القدم والبقاء له جل وعز، فتعين أنه تعالى فاعل بمحض الاختيار، وبطل مذهب الفلاسفة والطبائعبين أذلهم الله تعالى وأخلى منهم الأرض.

والحاصل أن أقسام الفاعل بحسب التقدير العقلي ثلاثة: فاعل بالاختيار وهو الذي يتأتى منه الفعل والترك، وفاعل بالتعليل وهو الذي يتأتى منه الفعل دون الترك؛ ولا يتوقف فعله على وجود شرط ولا انتفاء مانع، وفاعل بالطبع وهو الذي يتأتى منه الفعل دون الترك ويتوقف فعله على وجود الشرط وانتفاء المانع، وهذه الأقسام الثلاثة كلها موجودة عند الفلاسفة والطبائعيين، ولم يوجد منها عند المؤمنين إلا واحد وهو الموجد بالاختيار، ثم هو

[حاشية الدسوقي]

ذلك الذي منع من مقارنة الفعل المطبوع الذي هو العالم لوجود طبيعته لا يكون مانعا إلا إذا كان موجودا مع الطبيعة في الأزل (قوله: والقديم لا ينعدم أبدا) وحينئذ بطل القول بان عدم مقارنة الفعل المطبوع لوجوده تعالى لأجل وجود مانع. (قوله: ولا يصح تأخر الشرط) أي ولا يصح أن يقال إن الفعل المطبوع وهو العالم تأخر عن وجوده تعالى لتخلف شرطٍ في الأزل، فلما حصل الشرط فيما لايزال حصل الفعل، والمراد بتأخر الشرط تخلفه وعدم وجوده في الأزل. (قوله: لما يلزم عليه من التسلسل) يعنى أو عدم القديم وهو المانع، ففي كلامه قصور، وبيان ذلك أنه لو توقف تأثير الطبيعة القديمة على شرط ولم يقارن الفعل المطبوع لطبيعته لعدم ذلك الشرط في الأزل فلما وجد الشرط فيما لا يزال وجد الفعل، فتقول انعدام ذلك الشرط في الأزل إما لمانع أو لفقد شرط آخر، لا يصح أن يكون لمانع لأنه حينئذ قديم فلا توجد العوالم إلا إذا وجد الشرط، ولا يوجد الشرط إلا إذا زال ذلك لمانع، فيلزم عدم القديم، وإن كان انعدام ذلك الشرط لتخلف شرط آخر فتخلف ذلك الشرط الآخر لا يصح أن يكون لمانع لما سبق، فيكون لتخلف شرط ثالث، وتخلف هذا الشرط الثالث لا يصح أن يكون لمانع لما سبق فيكون لتخلف شرط رابع وهكذا كل شرط انعدم فانعدامه لانعدام شرطه وهلم جرا، فحيث وجدت العوالم فوجودها بوجود تأثير الطبيعة، ولا يوجد تأثير الطبيعة إلا بوجود الشروط جميعها التي كان تخلف كل واحد منها لتخلف الآخر فيقع بوجود العوالم التسلسل لوجود شروط لا نهاية لها، والتسلسل محال فما أدى إليه وهو أن عدم مقارنة الفعل المطبوع لوجوده تعالى لفقد شرط باطل.

(قوله: فلهذا) أي لأجل ما ذكرناه من بطلان عدم المقارنة لوجود مانع أو فقد شرط. (قوله: بحسب التقدير العقلي) أي لا بحسب الواقع إذ الواقع أن الفاعل واحد وهو الفاعل المختار. (قوله: وهو الذي يتأتى منه الفعل والترك) أي وذلك كالكاتب بالنسبة لكتابته، والمتحرك غير المرتعش بالنسبة لحركته عند القدري لا عند السني القائل بعدم تأثير القدرة الحادثة في الأفعال المقارنة لها، ودخل في الفاعل بالاختيار من يقول إن الفاعل يؤثر بقوة يودها في الأسباب من حيث إن موضع القوة فاعل بالاختيار، وجعله ابن دهاق من قسم التأثير بالطبيعة نظرًا لذي القوة، فالتأثير بالطبيعة عنده قسمان: لأن الطبيعة كالنار مثلا مؤثرة إما بذاتها أو بقوة فيها.

والحاصل أنه إن اعتبر معطي القوة دخل في الفاعل المختار، وإن اعتبر ذو القوة كان من التأثير بالطبيعة.

(قوله: ولا يتوقف فعله الخ) أي كما يقول الفلسفي في حركة اليد مع حركة المفتاح فإنه يستحيل أن يمنع من حركة المفتاح أو الخاتم الكائنين في اليد عند حركتها مانع. (قوله: وفاعل بالطبع) أي بطبعه وذلك كما يقول الطبائعي أن النار تؤثر بطبعها وذاتها في إحراق الحطب، والأدوية تؤثر بذاتها النفع في الأمراض، لكن تأثير النار والأدوية في الإحراق والنفع يتوقف على وجود شرط وانتفاء مانع كالقرب ونفي البلل في النار، ولم يذكروا في هذا القسم السبب بأن يقولوا إن تأثير الطبيعة يتوقف على وجود سبب وشرط وانتفاء مانع، لأن السبب عندهم نفس الطبيعة، فليس عندهم سبب خارج لتأثيرها إذ لو كان هناك سبب خارج لتأثيرها لم يكن التأثير ذاتيًا لها، والفرض أنها عندهم تؤثر بذاتها.

(قوله: وهذه الأقسام الثلاثة كلها موجودة عند الفلاسفة) قضيته أنهم يقولون بوجود الفاعل بالاختيار وهو مناف لما قدمه من أن الفلاسفة يسندون العالم إليه تعالى على طريق إسناد المعلول إلى العلة، وقد يجاب بأن مراده أن الأقسام الثلاثة موجودة عند الفلاسفة بالنسبة للخلق لا بالنسبة للحق، فالفاعل من الخلق إما فاعل بالاختيار كالكاتب، وإما فاعل بالعلة كحركة اليد، وإما فاعل بالطبع كالنار، وأما الحق فهو فاعل بالتعليل فقط عندهم قبحهم الله. (قوله: ولم يوجد منها) أي من الأقسام الثلاثة. (قوله: عند المؤمنين) أن سنيهم ومعتزليهم فهم يوافقونا على أنه لا فاعل إلا الموجد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت