فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 238

خاص بواحد وهو مولانا جل وعز، إذ لا موجد سواه تبارك وتعالى، ومهما جرى لفظ التعليل في عبارات أهل السنة فليس مرادهم به إلا ثبوت التلازم بين امرٍ وأمرٍ إما عقلا أو شرعا من غير تأثير العلة في معلولها البتة، فاعرف ذلك ولا تغتر بظواهر العبارات فتهلك مع الهالكين، وإنما فسرنا الكراهة بعدم الإرادة لنحترز بذلك من الكراهة التي هي من أقسام الحكم الشرعي، وهي طلب الكف عن الفعل طلبا غير جازم، فتلك يصح أن تجتمع مع الإيجاد؛ فيوجد الله تعالى الفعل مع كراهته له أي نهيه عنه كما أضل الله كثيرا من الخلق مع نهيه لهم عن ذلك الضلال، أما الكراهة بمعنى عدم إرادة الله تعالى الفعل فيستحيل اجتماعها مع الإيجاد؛ إذ يستحيل أن يقع في ملك مولانا جل وعز مالا يريد وقوعه؛ فتنبه لهذه النكتة العجيبة في ذلك التقييد الذي قيدنا به الكراهة في أصل العقيدة وبالله تعالى النوفيق.

(ص) وكذا يستحيل عليه تعالى الجهل وما في معناه

[حاشية الدسوقي]

بالاختيار لكنهم قسموه إلى قديم وهو صانع العالم، وإلى حادث وهو العبد، لأنه عندهم يخلق أفعاله الاختيارية بقدرته الحادثة ولم يكفروا بهذا القول لأنهم يقولون إن قدرته التي أوجد بها الفعل مخلوقة لله، وأما أهل السنة فيقولون الفاعل المختار ليس إلا المولى سبحانه وتعالى، وإلى هذا قال الشارح بعد ثم هو خاص بواحد وهو الله لإخراج بعض ما دخل فيما قبله وهو مذهب أهل الاعتزال، أي ثم بعد اتفاقنا مع المعتزلة على أنه ليس إلا فاعل بالاختيار نفارقهم في أنه مختص بالمولى فقط دون العبد.

فإن قلت: إن المعتزلة يقولون بالتولد وهو أن يُوجبَ فِعلٌ لفاعله فِعْلًا آخر، فيقولون إن العبد خلق حركة أصبعه وتولد منها حركة الخاتم، فرجع كلامهم إلى ان حركة الأصبع علة لحركة الخاتم، وحينئذ فهم يقولون بالفاعل بالعلة.

وأجيب بأن مرادهم أن العبد فاعل بالاختيار للحركتين، غاية الأمر أن إحداهما مباشرة والأخرى بواسطة، وليس مرادهم ما رجع إليه كلامهم. وانظر قول الشارح: ولم يوجد عند المؤمنين إلا واحد مع أن جماعة من المحققين كالفخر والسعد والسيد قالوا إن إسناد صفاته تعالى لذاته بالإيجاب أي أن ذاته تعالى أثرت في صفاته بطريق العلة، فالصفات عندهم ممكنة لذاتها وواجبة لغيرها، وقالوا: إن تأثيره في الصفات بطريق الإيجاب مستثنى من إطلاق أنه سبحانه فاعل بالاختيار، فعندهم لا واجب بالذات إلا الذات، وهذا القول لم يرتضه المصنف ولا غيره من المحققين، وشنعوا على القائلين به.

والحق أن صفاته تعالى واجبة لذاتها مثل ذاته، وأنه تعالى فاعل بالاختيار فقط، ولم يؤثر بالعلة في شيء، ولعل هذا القول لما كان ساقطًا عن الاعتبار صار كأنه لم يقل به أحد من المؤمنين. (قوله: لا موجد سواه) أي والعبد إنما هو كاسب بفعله خيرًا كان أو شر أو سيأتي تحقيق ذلك في برهان الوحدانية (قوله: فليس مرادهم به إلا ثبوت التلازم بين أمر وأمر) أي فلا تتوهم من قولهم النار علة للإحراق مثلا أن النار مؤثرة للإحرق، بل مرادهم أنهما متلازمان في العادة، وقد تتخلف، وكذا قولهم العلة في تعلق القدرة بالممكنات الإمكان ليس معناه أن الإمكان أثر في تعلق القدرة بالممكنات بل المراد أنهما متلازمان عقلًا متى وجد الإمكان في شيء تعلقت به القدرة وإن انتفى الإمكان عن شيء انتفى تعلق القدرة به، وكذا قولهم العلة في وجوب النية في الوضوء كونه عبادة ليس المراد أن الكون عبادة أثر في وجوب النية بل المراد أنهما متلازمان شرعًا. (قوله: فتلك) أي الكراهة الشرعية (قوله: لهذه النكتة) أي وهي تفسير الكراهة بعدم الإرادة لأجل التحرز عن الكراهة الشرعية، والنكتة: مأخوذة من النكت وهو الحفر في الأرض بعود مثلًا فيؤثر فيها، وقد تطلق النكتة على الأمر الدقيق كما هنا لأن الإنسان عندما يتدبر أمرًا دقيقا ويفكر فيه يحفر في الأرض وهو لا يشعر فتسمية الشيء الدقيق بالنكتة من باب تسمية الشيء باسم مجاوره، وهو مجاز متعارف. (قوله: في ذلك التقييد) أي الحاصلة بهذا التقييد، وكان الأولى أن يعبر بالتفسير بدل التقييد، وقوله في أصل العقيدة الإضافة بيانية. (قوله: الجهل) أي سواء كان بسيطًا وهو عدم العلم بالشيء عما من شأنه العلم به، وذلك بأن لا يدرك الشيء أصلًا لا على ما هو به ولا على خلاف ما هو به، أو مركبا وهو إدراك الشيء على خلاف ما هو عليه في الواقع، والتقابل بين العلم والجهل البسيط من تقابل العدم والملكة، وأما التقابل بين العلم والجهل المركب فهو من تقابل الضدين لأنهما أمران وجوديان يستحيل اجتماعهما في محل واحد، وبينهما غاية الخلاف، والجهل يقال بالاشتراك على الأمرين، وإنما سموا الثاني مركبا لاستلزامه لجهلين وهما الجهل بالشيء أي عدم إدراكه والجهل بأنه جاهل مثلًا اعتقاد الفلاسفة قدم العالم جهل مركب مستلزم لجهلين عدم إدراكهم لما ثبت للعالم في الواقع ولجهلهم بأنهم جاهلون لذلك، أي مخطئون في اعتقادهم، وإذا علمت أن المراد بالتركب الاستلزام يندفع عنك ما يقال كل مركب لا بدله من أجزاء يتركب منها، والجهل المركب لا يصح تركبه من بسيطين لأنه وجودي والبسيط عدمي والوجودي لا يتركب من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت