فهرس الكتاب
وقد ضعف القول بالخبرية ثلاثةُ أمورٍ: وهي أنه يلزم من القول بذلك كون خبر (لا) معرفة، و (لا) لا تعمل في المعارف، وأن الاسم المعظم مستثنى، والمستثنى لا يصح أن يكون عين المستثنى منه، لأنه لم يذكر إلا ليبين به ما قصد بالمستثنى منه، وأن اسم (لا) عام، والاسم المعظم خاص، والخاص لا يكون خبرًا عن العام، لا يقال الحيوان إنسان.
والجواب عن هذه الأمور: أما الأول فهو أنك قد عرفت مذهب سيبويه أن حال تركيب الاسم المعظم مع (لا) لا عمل لها في الخبر، وأنه حينئذ مرفوع بما كان مرفوعا به قبل دخول لا، وقد علل ذلك بأن شبهها بـ (أن) ضعف حين ركبت، وصارت كجزء كلمة، وجزء الكلمة لا يعمل شيئًا، ومقتضى هذا أن يبطل عملها في الاسم أيضًا، لكن أبقى عملها في أقرب المعمولين، وجعلت هي مع معمولها بمنزلة المبتدأ، والخبر بعدهما على ما كان عليه من التجرد، وإن كان كذلك لم يثبت عمل لا في المعرفة.
وأما الثاني فلا نسلم أن اسم لا هو المستثنى منه، وذلك أن الاسم المعظم إذا كان خبرا كان الاستثناء مفرغا، والمفرغ هو الذي لم يكن المستثنى منه فيه مذكورًا، نعم الاستثناء فيه إنما هو من شيء مقدر لصحة المعنى، ولا اعتداد بذلك المقدر لفظًا، ولا خلاف يعلم
[حاشية الدسوقي]
(قوله: وقد ضعف القول بالخبرية ثلاثة) أي ثلاثة أمور، ويضعفه أيضا أن المعنى المقصود من الكلمة المشرفة نفي الوجود عما سوى الله من الآلهة لأنها للرد على المشركين المعتقدين وجود آلهة غير الله، وليس المقصود منها نفي مغايرة الله عن كل إله الذي يفيده الاستثناء المفرغ الواقع موقع الخبر كذا قال السعد، وهو يفيد أن إلَّا تكون حينئذ بمعنى غير، وأن النفي إنما تسلط على ذلك. (قوله: لا يصح أن يكون عين المستثنى منه) أي ومقتضى الخبرية أنه عينه، لأن خبر لا أصله خبر عن اسمها، والخبر عين المبتدأ في المعنى، والحاصل أن الخبر عين المبتدأ في المعنى وهنا لا يصح ذلك، لأن الخبر هنا مستثنى والمبتدأ مستثنى منه، والمستثنى لا يصح أن يكون عين المستثنى منه، لأن المستثنى مبين لما قُصد بالمستثنى منه، والمبين يجب مغايرته للمبين إذ الشيء لا يبين نفسه. (قوله: والخاص لا يكون خبرا عن العام) أي لأن مقتضى الإخبار به عند ثبوت الخاص مع كونه أقل أفرادا للعام مع كونه أكثر أفرادًا وذلك باطل. (قوله: لا يقال الحيوان إنسان) أي إذا جعلت أل للاستغراق، وأما إن جعلت أل للحقيقة والقضية مهملة في قوة الجزئية وهي صادقة بفرد صح أن يقال ذلك.
(قوله: قد عرفت مذهب سيبويه) أي وأما على قول الأخفش القائل بعمل لا في الخبر كالاسم فالخبر محذوف وهو موجود، والاسم المعظم ليس خبرا عنها، فلا غير عاملة في خبر معرفة على كلا القولين. (قوله: وأنه) أي الخبر. (قوله: بما كان مرفوعا به قبل دخول لا) أي وهو المبتدأ. (قوله: ضعف حين ركبت) هذا يشعر بأن علة البناء التركيب وهو أحد قولين تقدما. (قوله: ومقتضى هذا) أي ما ذكر من أن جزء الكلمة لا يعمل. (قوله: لكن أبقى عملها في أقرب المعمولين الخ) اعترض بأن سيبويه لم يقل بعملها في الاسم ولا في الخبر، بل يرى أن لا المركبة لا تعمل أصلا لا في الخبر ولا في الاسم، لأن جزء الشيء لا يعمل فيه، فعنده أن لا لما ركبت مع الاسم بني الاسم على الفتح، ولا محل له من الإعراب. ثم إن مجموع لا مع اسمها في محل رفع بالابتداء، والخبر بعدهما باق على ما كان عليه قبل التركيب فهو مرفوع بما كان مرفوعا به قبل دخول لا وهو المبتدأ، وأما القائل بعمل لا في الاسم دون الخبر فهو ابن مالك وعلل ذلك بأن تركيبها مع الاسم أضعف شبهها بأن، فرد عليه أن مقتضى ذلك أن لا تعمل في الاسم، فأجاب بأنها إنما عملت فيه لملاصقته لها، فقد علمت أن سيبويه لا يرد عليه بحث ولا يحتاج لجواب والذي يرد عليه البحث ويحتاج للجواب عنه إنما هو ابن مالك. (قوله: لم يثبت عمل لا في المعرفة) بل في النكرة وهذا على مذهب ابن مالك، وأما على مذهب سيبويه فلا عمل لها أصلا. (قوله: كان الاستثناء مفرغا) أي لما تقرر أن إلَّا إذا توسطت بين المسندين كان الاستثناء مفرغا، فيكون ما قبل إلَّا عاملا فيما بعدها وما بعدها مخرج من مقدر قبل إلَّا، فما بعد إلَّا له حالتان: حالة إخراج وحالة معمولية، فهو بالنسبة للضمير الذي في الخبر المحذوف مستثنى ومخرج، وبالنسبة لإله معمول لأنه خبر عنه. (قوله: نعم الاستثناء فيه الخ) فيه أنه لا محل لهذا الاستدراك، فكان الأولى أن يقول وإنما هو من شيء مقدر، أي وحينئذ فالأصل لا إله موجود إلا الله، فقوله: إلا الله استثناء من الضمير المستتر في ذلك المقدر وخبر لقيامه مقام الخبر وهو ذلك المقدر. (قوله: لصحة المعنى) أي وإنما جعلنا الاستثناء من مقدر لأجل صحة المعنى مفاده أنه لا يصح المعنى بدون ملاحظة ذلك المقدر، وليس كذلك بل يصح المعنى بجعله خبرا عن إله من غير ملاحظة الاستثناء من ذلك المقدر، والمعنى لا إله غير الله، فكان الأولى للشارح إبدال قوله لصحة المعنى بقوله لحق الاستثناء من كون المستثنى غير المستثنى منه. والحاصل أن صحة المعنى حاصلة من حيث الإسناد والخبرية والالتفات للمقدر إنما هو لأجل الوفاء بقاعدة أن المستثنى يجب مغايرته للمستثنى منه. (قوله: ولا اعتداد بذلك المقدر لفظا) أي من حيث الإعراب بحيث يجعل خبرا أو فاعلا.