فهرس الكتاب
في نحو ما زيد إلا قائم أن قائم خبر عن زيد، ولا شك أن زيد فاعل في قوله ما قام إلا زيد، مع أنه مستثنى من مقدر في المعنى، إذ التقدير ما قام أحد إلا زيد، فعلى هذا لا منافة بين كون الاسم المعظم خبرا عن اسم قبله، وبين كونه مستثنى من مقدر، إذ جعله خبرا منظور فيه إلى جانب اللفظ، وجعله مستثنى منظور فيه إلى جانب المعنى.
وأما الثالث: فهو أن يقال: قولك إن الخاص لا يكون خبرا عن العام مسلم، لكن في لا إله إلا الله لم يخبر بخاص عن عام، لأن العموم منفي، والكلام إنما سيق لنفي العموم، وتخصيص الخبر المذكور بواحد من أفراد ما دل عليه اللفظ العام، وأما الأقوال الثلاثة الأخيرة التي لا معول عليها:
فأحدها: أن إلا ليست أداة استثناء، وإنما هي بمعنى غير، وهي مع الاسم المعظم صفة لاسم لا باعتبار المحل، ذكر ذلك الشيخ عبد القاهر الجرجاني عن بعضهم، فالتقدير لا إله غير الله تبارك وتعالى في الوجود، ولا شك أن القول بأن إلا في هذا التركيب بمعنى غير ليس له مانع يمنعه من جهة الصناعة النحوية، وإنما يمتنع من جهة المعنى، وذلك لأن المقصود من هذا الكلام أمران: نفي الألوهية عن غير الله تبارك وتعالى، وإثبات الألوهية لله تبارك وتعالى، ولا يفيده التركيب حينئذ، فإن قيل يستفاد ذلك بالمفهوم، قلنا:
[حاشية الدسوقي]
(قوله: في نحو ما زيد إلا قائم الخ) هذا تنظير لما الكلام بصدده. (قوله: منظور فيه إلى جانب اللفظ) أي من غير اعتبار شيء مقدر زائد على المبتدأ والخبر. (قوله: إلى جانب المعنى) أي لا جانب التقدير، وهذا لا ينافي أن المعنى المقصود الخبرية، والحاصل أن الاعتراض الثاني في كلام الشارح حاصله أن جعل الاسم العظيم خبرا يفيد أنه عين المبتدأ وهو إله، وجعله مستثنى يفيد عدمه وهذا تناقض، فجعله خبرا مع كونه مستثنى باطل لما يلزم عليه من التناقض، وحاصل ما أجاب به الشارح أن الجهة منفكة لأن الخبرية بالنظر لإله والاستثناء بالنظر للمحذوف أي للضمير المستتر في المحذوف، واعترض بأن الضمير الراجع للإله هو عين الإله فرجع الأمر إلى أن الجهة واحدة، والتناقض باق وذلك أن مقتضي كون إله مرجع الضمير المستثنى منه أن يكون غير الله، ومقتضى كونه مخبرا عنه بالله أنه عين الله، وأجيب بأنه في جانب الخبرية يلاحظ إلَّا من جملة الخبر، والخصوص في الإله، وأن المعنى لا إله غير الله، ولا شك أن الإله المخصوص وهو الموصوف في الواقع بالمغايرة لله هو عين الخبر، وأما في جانب الاستثناء فيلاحظ أن الإله عام والله فرد منه فحصل التغاير ولا إشكال فتأمل ذلك. (قوله: وأما الثالث الخ) حاصله أن قولهم الخاص لا يكون خبرا عن العام محمول على ما إذا حمل الخاص على جميع أفراد العام بحيث يصير المعنى جميع أفراد العام هي هذا الخاص، وما هنا ليس كذلك بل القصد هنا أن هذا الأمر العام الذي هو الإله لم يتحقق خارجا في غير هذا الفرد الخاص وهو الله، وإن كان بحسب مفهومه عاما، فآل الأمر إلى أن محل امتناع الإخبار بالخاص عن العام إذا كان على وجه الإيجاب، أما إذا كان على وجه السلب فلا منع، لصحة ما الحيوان إنسان أي ليس كل فرد من أفراد الحيوان إنسان، ولا إله إلا الله من هذا القبيل، وذلك لأن المقصود سلب الإله وعدم تحققه في الخارج في غير هذا الفرد المعين وتخصيص هذا الفرد المعين بوصف الألوهية. (قوله: لأن العموم منفي) أي لأن ذا العموم وهو الإله منفي. (قوله: والكلام) أي وهو لا إله إلا الله إنما سيق لنفي العموم، الأولى إنما سيق لعموم النفي لأن الاستثناء دليل على عموم السلب لا أنه دليل على سلب العموم. (قوله: تخصيص الخبر المذكور) عطف على نفي، أي إنما سيق لنفي العموم ولتخصيص الخبر المذكور أي وهو الله. (قوله: بواحد من أفراد ما دل عليه اللفظ العام) أي وهو إله، ومفاده أن الله متصف بذات فرد من أفراد الإله فتكون الذات متصفة بذات فرد من أفراد الإله فتكون الذات متصفة بذات وليس كذلك، والجواب أن قوله بواحد على حذف مضاف أي بوصف واحد من أفراد الخ وذلك الوصف هو الألوهية أي المعبودية بحق. والحاصل أن الكلام إنما سيق لعموم النفي ولتخصيص الخبر الذي هو الكلمة المشرفة بوصف واحد مما دل عليه اللفظ العام وهو الألوهية لأن وصف الألوهية إنما هو في نفس الأمر لمدلول الكلمة المشرفة. (قوله: وإنما هي بمعنى غير) أي فهي اسم صفة لإله ولفظ الجلالة مضاف إليها ولما كانت على صورة الحرف ظهر إعرابها على ما بعدها. (قوله: باعتبار المحل) أي قبل دخول الناسخ وهو لا، لأن إله مرفوع بالابتداء قبل دخول لا. (قوله: ولا يفيده التركيب حينئذ) أي ولا يفيد التركيب الأمر الثاني الذي هو ثبوت الألوهية لله حين إذ جعل إلَّا الله صفة، وإنما يفيد الأمر الأول وهو نفي الألوهية عن غير الله، وقد يقال قوله: لأن المقصود من هذا الكلام أمران الخ إن ثبت ذلك بتوقيف من الشارع فمسلم، وإلا فلقائل أن يمنع ذلك ويدعي أن المقصود من هذا الكلام نفي الألوهية عن غير الله فقط، كالأصنام التي كان يزعم المشركون ألوهيتها، وأما إثبات الألوهية لله فلا ينازعون فيه بدليل: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ الله} [لقمان: 25] ، والحاصل أن نفي الألوهية عن غير الله متنازع فيه، وثبوت الألوهية لله لا نزاع فيه، ولا نسلم أن الأمر المتفق عليه مقصود من