فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 238

لم يجز النصب في هذا التركيب، وقد جوزه كما سيأتي.

والقول الثالث: أن الاسم المعظم مرفوع بـ (إله) كما يرفع الاسم الصفة في قولنا أقائم الزيدان، فيكون المرفوع قد أغنى عن الخبر، وقد قرر ذلك بأن إلهًا بمعنى مألوه من أله أي عبد، فيكون الاسم المعظم مرفوعا على أنه مفعول أقيم مقام الفاعل، فاستغنى به عن الخبر، كما في قولنا ما مضروب إلا العمران، وضعف هذا القول غير خفي، لأن إلها ليس بوصف، فلا يستحق عملًا، ثم لو كان إله عامل الرفع فيما يليه لوجب إعرابه وتنوينه، لأنه مطول إذ ذاك، وقد أجاب بعض الفضلاء عن ذلك بأن بعض النحاة يجيز حذف التنوين في مثل ذلك وعليه يحمل قوله سبحانه وتعالى: {لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ} [الأنفال: 48] ، {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ} [يوسف: 92] ، وفي هذا الجواب نظرٌ، لأن الذي يجيز حذف التنوين في مثل ذلك يجيز إثباته أيضًا، ولا نعلم أن أحدًا أجاز التنوين في لا إله إلا الله، هذا آخر الكلام على توجيه الرفع.

وأما النصب فقد ذكروا له توجيهين:

أحدهما: أن يكون على الاستثناء من الضمير في الخبر المقدر، الثاني أن يكون إلا الله صفة لاسم (لا) ، أما كونه صفة فهو لا يكون إلا إن كانت إلا بمعنى غير، وقد عرفت أن الأمر إذا كان كذلك لا يكون الكلام دالًا بمنطوقه على ثبوت الألوهية لله تبارك وتعالى،

[حاشية الدسوقي]

والخبر متقدم على المبتدأ. (قوله: لم يجز النصب) أي لأن النصب ينافي كونه من باب المبتدأ والخبر. (قوله: وقد جوزه كما سيأتي) أي فتجويزهم للنصب يرد على الزمخشري، وفيه أن الزمخشري إنما تعرض لتوجيه الرفع الذي هو الأكثر ولم يرد في القرآن غيره ولا يمنع النصب بل يجوزه ويوجه بتوجيه آخر، وليس يجب أن يكون الإسناد في حالة النصب كالإسناد في حالة الرفع. (قوله: مرفوع بإله) أي على أنه نائب فاعل سد مسد الخبر، وحاصل الإعراب على هذا القول أن يقال: لا نافية للجنس، وإله اسمها منصوب، وإلا أداة حصر ملغاة، والله نائب فاعل سد مسد الخبر. (قوله: من أله) أي مأخوذ من أله بفتح الهمزة واللام والهاء. (قوله: أي عَبَدَ) بفتح العين والباء والدال، وإذا كان إله مأخوذا من أله بمعنى عبد فيكون معناه مألوه أي معبود بحق، فكأنه قيل لا معبود بحق إلا الله والله نائب فاعل معبود. (قوله: ليس بوصف) أي صريح بل هو جامد وإن كان وصفا تأويلا، والذي يكتفي بمرفوعه عن الخبر إنما هو الوصف الصريح، لأنه هو الذي يستحق العمل بخلاف غير الصريح فلا يستحق العمل وإن كان وصفا في المعنى. (قوله: ثم لو كان إله عامل الرفع) أي ثم على تسليم أن إله عامل الرفع في الاسم الواقع بعده كلفظ الجلالة هنا. (قوله: لوجب إعرابه) أي إعراب إله. (قوله: لأنه مطول) أي اتصل به شيء من تمام معناه، وعندهم أن اسم لا إذا اتصل به شيء من تمام معناه بأن كان مضافا أو شبيها بالمضاف بأن عمل فيما بعده رفعا أو نصبا يسمى مطولا وممطولا ويعرب منونا، وهنا إله قد عمل الرفع فيما بعده فهو شبيه بالمضاف فكان حقه أن ينصب وينون. (قوله: بأن بعض النحاة الخ) أي إن قولهم اسم لا إذا كان مطولا فإنه يجب نصبه مع التنوين يعنى عند الجمهور، وعند الأقل وهم البغداديون المطول يجب نصبه ولا يتعين تنوينه بل يجوز حذف تنوينه، وما هنا محمول على مذهب الأقل. (قوله: في مثل ذلك) أي المطول. (قوله: وعليه) أي على مذهب البعض يحمل قوله تعالى: {لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ} [الأنفال: 48] ، وأجاب الجمهور القائلون بوجوب تنوين المطول: بأن لكم متعلق بالخبر المحذوف أي لا غالب كائن لكم وليس متعلقا بغالب والاسم حينئذ مفرد لا مطول، فقوله: وعليه يحمل الخ غير لازم لما علمت. (قوله: ولا نعلم أن أحدا الخ) أي وحينئذ فلا يصح التخريج على مذهب الأقل المجوزين لحذف التنوين، وقد يقال أن عدم التنوين في لا إله إلا الله للتعبد بتلك الكلمة على هذه الهيئة وأما باعتبار القاعدة النحوية فيجوز التنوين، فقوله: إن الذي يجيز حذف التنوين يجيز إثباته مسلم، وإثباته متأت في لا إله إلا الله بالنظر للقواعد النحوية ولكن منع منه مانع شرعي وهو التعبد، تأمل. (قوله هذا آخر الكلام على توجيه الرفع) وحاصله أن رفع الاسم المعظم إما على البدلية من الضمير في الخبر المحذوف، أو من اسم لا باعتبار محله قبل دخول الناسخ، أو على أنه خبر للمبتدأ المركب من لا واسمها، أو على أن إلَّا الله صفة لاسم لا باعتبار محله قبل دخول الناسخ، أو على أنه مبتدأ مؤخر، أو على أنه نائب فاعل سد مسد الخبر، هذا حاصل ما تقدم للشارح، وكلها أقوال للبصريين، وأما الكوفيون فيقولون: إنه معطوف بإلَّا على اسم لا باعتبار محله قبل دخول الناسخ كما تقدم. (قوله: في الخبر المقدر) أي من مادة الوجود أو من مادة الإمكان. (قوله: صفة لاسم لا) أي باعتبار محله لأنه مبنى على الفتح في محل نصب، وصفة المنصوب منصوب.

(قوله: إذا كان كذلك) أي إذا كان إلَّا بمعنى غير. (قوله: لا يكون الكلام دالا بمنطوقه على ثبوت الألوهية لله) أي وإنما يكون دالا بمنطوقه على نفي الألوهية عن غير الله، وأما دلالته على ثبوت الألوهية لله الذي هو المقصود الأعظم فهو بالمفهوم ولا يناسب أن يكون المقصود الأعظم مدلولا عليه بالمفهوم وغير الأعظم مدلولا عليه بالمنطوق، وحينئذ فيكون جعل الاسم الكريم صفة لاسم لا مردودا لما يلزم عليه من كون المقصود الأعظم مدلولا عليه بالمفهوم وغير الأعظم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت