فهرس الكتاب
في الاتباع كان النصب على الاستثناء أولى، قالوا وفي هذا التركيب يترجح النصب في القياس، لكن السماع والأكثر الرفع، ونقل عن الأبدي: إنك إذا قلت لا رجل في الدار إلا عمرًا كان نصب عمرا على الاستثناء أولى وأحسن من رفعه على البدل، هذا ما ذكروه، والذي يقتضيه النظر ان النصب لا يجوز، بل ولا البدل، وتقرير ذلك أن يقال إن إلا في الكلام التام الموجب نحو قام القوم إلا زيدًا متمحضة للاستثناء، فهي تخرج ما بعدها مما أفاده الكلام الذي قبلها، وذلك أن هذا الكلام إنما قصد به الإخبار عن القوم بالقيام، ثم إن زيدا منهم، ولم يكن شاركهم فيما أسند اليهم، فوجب إخراجه، وكذا حكم إلا في الكلام التام غير الموجب أيضا نحو ما قام القوم إلا زيدا، ومن ثم
[حاشية الدسوقي]
في الاتباع) أي ولا في النصب على الاستثناء كما في لا أحد إلا زيد ولا إله إلا الله وذلك لعدم ظهور الإعراب فيما قبل إلَّا. (قوله: وفي هذا التركيب) أي وهو لا إله إلا الله. (قوله: ونقل عن الأبدي) بضم الهمزة وتشديد الباء مفتوحة وكسر الدال وأتى بكلامه دليلا على أنه إذا لم يكن في الاتباع مشاكلة فالأرجح النصب قياسا وإن كان مرجوحا سماعًا. (قوله: أحسن من رفعه على البدل) أي لأن إلا من أدوات الاستثناء فتعمل النصب ولا يعدل عن عملها النصب لغيره كالاتباع إلَّا لنكتة كالمشاكلة؛ ولا مشاكلة هنا لأن المبدل منه سواء كان الضمير المستتر في الخبر أو اسم لا باعتبار المحل لم يظهر فيه إعراب. (قوله: والذي يقتضيه النظر الخ) حاصله أن الذي يقتضيه النظر امتناع نصب الاسم الكريم على الاستثناء، وامتناع رفعه أيضا على البدلية سواء جعل بدلا من الضمير المستتر في الخبر أو من اسم لا باعتبار محله قبل دخول الناسخ يتعين رفعه على الخبرية كما هو القول الثاني من أقوال الرفع الخمسة المتقدمه.
والحاصل أنه ذكر للنصب توجهين فأبطل فيما مر أحدهما وهو الوصفية وأبطل هنا الثاني وهو النصب على الاستثناء، وذكر أن للرفع خمسة أوجه أبطل فيما تقدم منها ثلاثة وهي ما عدا البدلية والرفع على الخبرية ثم أبطل هنا البدلية فتعين فيه الرفع على الخبرية، وقوله: والذي يقتضيه النظر أي السديد، فحذف الصفة للعلم بها أو أن أل للكمال، وإلا فما قاله غيره مما اقتضاه النظر أيضا، إلا أن ما قاله نظر في المقصود من الكلمة المشرفة ودلالتها على وجه أكمل ومتفق عليه، بخلاف نظر غيره ثم إن هذا الذي ذكره هنا بيان لما اختاره أولًا حيث قال: ويظهر لي إنه أرجح من القول بالبدلية. (قوله: أن النصب) أي على الاستثناء، (وقوله: بل ولا البدل) أي بل ولا يجوز فيه الرفع على البدلية.
(قوله: وتقرير ذلك الخ) أي تقرير إبطال النصب والبدلية.
وحاصله أن الاستثناء إما من كلام تام موجب، وإما من كلام تام غير موجب، وإما من كلام غير تام وغير موجب، فالأقسام ثلاثةٌ: وفي القسم الثالث إما أن يلاحظ المستثنى منه المقدر أو لا يلاحظ، وإنما يلاحظ أن ما بعد إلا هو المعمول لما قبلها، فمثال القسم الأول: قام القوم إلا زيدًا، ومثال الثاني: ما قام القوم إلا زيد، ومثال الثالث: ما قام إلا زيدٌ، والقسم الأول وهو قام القوم إلا زيدا معناه: أن القوم ثبت لهم القيام وزيد انتفى عنه، لأن الاستثناء من الإثبات نفي، والقسم الثاني وهو ما قام القوم إلا زيدٌ معناه: انتفى القيام عن القوم وثبت لزيد، وهذا كله بناء على أن الاستثناء من النفي إثبات وعكسه، فهو أي الاستثناء مفيد للحصر في القسمين، وأما على القول بأن ما بعد إلا مسكوت عنه فلا حصر فيهما.
والحاصل أن القسم الأول وهو الاستثناء من الكلام التام الموجب، والقسم الثاني وهو الاستثناء من الكلام التام غير الموجب في إفادة كل منهما الحصر خلاف، وأما القسم الثالث وهو قولك ما قام إلا زيد إن لاحظت المستثنى منه المقدر جرى فيه الخلاف الجاري في القسم الثاني من أنه هل يفيد الحصر أم لا، وإن لم تلاحظ المقدر بل لاحظت أن زيدًا فاعل قام كان مفيدًا للحصر قولًا واحدًا، وصار زيد مرفوعا على الفاعلية وانتفى النصب على الاستثناء والرفع على البدلية، فكذا يقال في لا إله إلا الله إن جعل إلا الله خبرا صار بمنزلة جعل زيد من قولك ما قام إلا زيد فاعلا فيفيد الحصر باتفاق، وإن جعل إلا الله بالرفع بدلا أو بالنصب على الاستثناء تعين ملاحظة المستثنى منه المقدر، فيكون بمنزلة ما قام إلا زيد ملاحظا أن المستثنى منه مقدر، وتقدم أن في إفادته الحصر قولين فتحصل أنه إذا جعل إلا الله خبرا أفاد الحصر اتفاقا، وإن جعل بدلا أو نصب على الاستثناء كان في إفادة الحصر خلاف، وحينئذ فيتعين الرفع على الخبرية ليكون مفيدا للحصر باتفاق، هذا حاصل ما قاله ناظر الجيش موجها به ما اختاره من تعين الرفع على الخبرية وامتناع النصب على الاستثناء وامتناع البدلية رفعت أو نصبت. (قوله: وذلك) أي وبيان ذلك أي وبيان إخراج ما بعدها مما أفاده الكلام الذي قبلها. (قوله: ولم يكن شاركهم) الواو للحال، وقوله فيما أسند إليهم أي وهو القيام. (قوله: ومن ثم) أي من هنا أي من أجل إخراج إلا لما بعدها مما يفيده الكلام