فهرس الكتاب
كان نحو هذا التركيب مفيدًا للحصر، مع أنها للاستثناء أيضا، لأن المذكور بعد إلا لا بد أن يكون مخرجا من شيء قبلها، فإن كان ما قبلها تاما لم يحتج إلى تقدير، وإلا فيتعين تقدير شيء قبل إلا حتى يحصل الإخراج منه، وإنما أحوج لهذا التقدير تصحيح المعنى، فتبين من هذا المعنى الذي قلناه أن المقصود في الكلام الذي ليس بتام إنما هو إثبات الحكم المنفي قبل إلا لما بعدها، وأنَّ الاستثناء ليس بمقصود، ولهذا اتفق النحاة على أن المذكور بعد إلا في نحو ما قام إلا زيد معمول للعامل الذي قبلها، ولا شك أن المقصود من هذا التركيب الشريف أمران: وهما نفي الألوهية عن كل شيء سوى الله، وإثباتها لله تعالى كما تقدم، وإذا كانت إلا مسوقة لمحض الاستثناء لا يتم هذا المطلوب، سواء نصبنا أو أبدلنا، وذلك أنه لا ينصب ولا يبدل إلا إذا كان الكلام الذي قبل إلا تامًا، ولا يتم إلا بتقدير خبر محذوف، وحينئذ ليس الحكم بالنفي على ما بعد إلا في الكلام الموجب، وبالإثبات في غير الموجب مجمعًا عليه، إذ لا يقول بذلك إلا من مذهبه أن الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات، ومن ليس مذهبه ذلك يقول إن ما بعد إلا مسكوت عنه، فكيف يكون قول لا إله إلا الله توحيدًا.
[حاشية الدسوقي]
قبلها. (قوله: كان نحو هذا التركيب) أي قام القوم إلا زيدًا، وما قام القوم إلا زيدًا، وكان الأولى أن يقول كان كل من هذين التركيبين. (قوله: مفيدًا للحصر) أي على أحد القولين من أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي، وأما على القول بأن ما بعد إلا مسكوت عنه فلا يكون واحد من التركيبين مفيدًا للحصر كذا قرر شيخنا العدوى كلام الشارح، وقال الشيخ الملوى كأن في كلام ناظر الجيش نقصا لأن قوله ومن ثم قال الخ لا يترتب على ما قبله، وكأنه قال وأما في الكلام الناقص فالمقصود إثبات ما قبل إلا لما بعدها نحو ما قام إلا زيد، ومن ثم الخ وعلى هذا فالمراد بهذا التركيب ما قام إلا زيد. (قوله: مع أنها للاستثناء أيضا) أي كما أفادت الحصر، والضمير في"أنها"لـ"إلا".
(قوله: لأن المذكور الخ) علة لقوله مفيد للحصر. (قوله: فإن كان ما قبلها تاما) أي سواء كان موجبًا، كالمثال الأول أو منفيا كالمثال الثاني. (قوله: وإلا فيتعين الخ) أي وإلا بأن كان غير تام كما في ما قام إلا زيد. (قوله: حتى يحصل الإخراج منه) حتى تعليلية أي لأجل أن يحصل الإخراج منه. (قوله: وإنما أحوج لهذا التقدير تصحيح المعنى) كان الأولى أن يقول وإنما أحوج لهذا التقدير رعاية حق الاستثناء لأن الأصل في إلا الإخراج من شيء، يعني وهذا المقدر ليس ملتفتا له في نفس الأمر، وإنما الملتفت له ثبوت الحكم لما بعد إلا، هذا كلامه وكان الأحسن أن يفصل كما قلنا بأن يقول وإن كان غير تام وغير موجب تارة يلاحظ المستثنى منه المقدر فيجري فيه ما جرى في التام غير الموجب، وتارة لا يلاحظ ذلك المقدر وحينئذ يفيد الحصر اتفاقًا. (قوله: فتبين من هذا) أي من قوله وإنما أحوج لذلك تصحيح المعنى أي ان المحوج للقدر هو رعاية القاعدة في إلا من أنها تخرج شيئا من شيء، وليس منظورًا له في نفس الأمر بل المنظور له إثبات الحكم لما بعد إلا وهو عين الحصر، وأما الاستثناء وهو الإخراج من ذلك المقدر فهو غير مقصود. (قوله: ولهذا) أي ولكون الاستثناء غير مقصود. (قوله: معمول للعامل الخ) أي ولم يجعل المعمول له المستثنى منه المقدر لما علمت من أنه غير ملتفت إليه، وإن كان يقدر رعاية لحق الاستثناء. (قوله: من هذا التركيب) أي وهو لا إله إلا الله. (قوله: أمران وهما نفي الألوهية الخ) فيه أنه إن دل دليل من صاحب الشرع على ما قاله من أن المقصود من الكلمة المشرفة الأمران المذكوران أو ثبت ذلك بالإجماع فمسلمٌ، وإلا فلقائل أن يقول المقصود منها إنما هو الأمر الأول لأن المقصود بها الرد على عبدة الأصنام في ادعاء ألوهيتها، وأما الأمر الثاني فلم ينكروه، ويؤيده تقديم النفي فيها فإن للتقديم مزية وذلك يؤذن بأهميته، وإلا كان يكتفي فيها بتقديم الإثبات بأن يقال الله إله لا غيره. (قوله: لمحض الاستثناء) أي الاستثناء الخالص عن افادة الحصر، وذلك فيما عدا الخبرية والفاعلية فيصدق بالبدلية. (قوله: لا يتم هذا المطلوب) أي وهو الحصر، أعني نفي الألوهية عن غير الله، وإثباتها لله، بل إنما يستفاد نفي الألوهية عن غير الله فقط، وأما إثباتها لله ففيه خلاف، فقوله لا يتم أي باتفاقٍ، فلا ينافي أنه يتم على أحد القولين بخلاف ما لو أعربناه خبرا فيتم المطلوب اتفاقًا. (قوله: ليس الحكم بالنفي) أي الذي هو الحصر المطلوب. (قوله: مسكوت عنه) أي مسكوت عن حكمه فلم يحكم عليه بشيء، فالكلام على حذف مضاف، وسبب الخلاف هو أن الإخراج بإلا هل هو من المحكوم به كالقيام مثلًا أو من الحكم، قال بالأول الجمهور، وقال بالثاني الحنفية، وعليه يكون ما بعد إلا مُخرجا عن حكم المتكلم، فيكون مسكوتا عن حكمه، مثلًا الكلمة المشرفة فيها الحكم على ما قبل إلا بنفي وجود الهية غيره تعالى، ومن يقول بأن الاستثناء من النفي إثبات يقول بثبوت إلهيته تعالى من الكلمة المشرفة، لأن نقيض النفي الإثبات، ومن يقول ما بعد إلا لم يحكم عليه كان مسكوتا عنه بالنسبة إلى نقيض ما قبلها، ويحتمل أن لا يحكم عليه. (قوله: فكيف يكون الخ) أي فلا