قلت: فيه نظر لأنه يكون توحيدًا بحسب دلالة العرف، وبأنه لأنزاع في ثبوت الإلهية لمولانا جل وعز لجميع العقلاء، وإنما كفر من كفر بزيادة إله آخر، فنفي ما عداه تعالى من الآلهة على هذا هو المحتاج إليه، وبه يحصل التوحيد، فتأمله.
ثم قال ناظر الجيش: بناء منه على ما ظهر له من البحث الذي اعتراضناه فتعين أن تكون إلا في هذا التركيب مسوقة لقصد إثبات ما نفي قبلها لما بعدها، ولا يتم ذلك إلا بأن يكون ما قبلها غير تام، ولا يكون غير تام إلا بأن لا يقدر قبل الأخير محذوف، وإذا لم يقدر خبر قبلها وجب أن يكون ما بعدها هو الخبر، هذا هو الذي تركن النفوس إليه، وقد تقدم تقرير صحة كون الاسم المعظم في هذا التركيب هو الخبر.
قلت: كلامه هذا يقتضي أن الخلاف في كون الاستثناء من النفي إثباتا أم لا لا يُدخل الاستثناء المفرغ، وظاهر كلام الرازي وكثير من الأصوليين دخول ذلك الخلاف فيه، ولهذا أوردوا على القائل بأن الاستثناء من النفي ليس بإثباتٍ أنه يلزم على هذا أن لا يحصل التوحيد بكلمة الشهادة، وأجيب بما ذكرناه من النظر قبل في بحث ناظر الجيش، هذا آخر ما يتعلق بفصل إعراب هذه الكلمة الشريفة على الاختصار، وبالله تعالى التوفيق.
وأما معنى هذه الكلمة فلا شك أنها محتوية على نفي وإثبات،
[حاشية الدسوقي]
يكون لا إله إلا الله مفيدا للتوحيد أي باتفاقٍ، لأنه على القول بأن الاستثناء من النفي لا يفيد الإثبات يصير ما بعد إلا غير محكوم عليه بشيء البتة، وقد أجمعوا على أن لا إله إلا الله مفيدة للتوحيد الذي هو ثبوت الألوهية لله ونفيها عما سواه.
والحاصل أنه على الاستثناء يلزم أن يكون في إفادة لا إله إلا الله التوحيد خلافٌ والحال أنه مجمع على إفادتها للتوحيد، والصواب أن يجعل الاستثناء مفرغًا، وما بعد إلا خبرا كما صححه ناظر الجيش. (قوله: قلت وفيه نظر) قد تقدم أن إلا في لا إله إلا الله إن جعلت لمحض الاستثناء فلا يكون الكلام مفيدًا للمطلوب، وهو ثبوت الألوهية لله ونفيها عن غيره، سواء نصبنا أو أبدلنا، إلا على قول من يقول إن الاستثناء من النفي إثباتٌ، لا على قول من يقول إن ما بعد إلا مسكوت عنه، وحينئذ فلا تكون لا إله إلا الله مفيدة للتوحيد اتفاقًا، والحال أنها مفيدة للتوحيد إجماعًا.
وحاصل هذا النظر أن ما ذكرته من أن لا إله إلا الله لا تفيد الحصر المطلوب إلا على أحد القولين هذا بالنظر للغة، وأما بالنظر للعرف فهي مفيدة للحصر اتفاقًا، ولا يلزم من عدم دلالتها على التوحيد لغةً عدم دلالتها عليه في عرف الشرع، على أنه لا يحتاج للحصر لأن إثبات الألوهية لله هذا أمر مسلم لا نزاع فيه، ولا يحتاج لإفادة الكلمة الشريفة له.
(قوله: بحسب دلالة العرف) أي فالعرف نقلها من معناها اللغوي الذي هو نفي الألوهية عن غيره تعالى لمعنى آخر وهو الإثبات والنفي معًا، وهذا البحث للدماميني في كلام ناظر الجيش. (قوله: وإنما كفر من كفر) أي من المشركين، وقوله بزيادة إله أي بتجويزهم التعدد في حقيقة الإله، وأنه لا يمتنع أن يوجد منها أفرادٌ. (قوله: فنفي ما عداه) مبتدأ، وقوله هو المحتاج إليه خبره. (قوله: وبه) أي بنفي ما عداه تعالى المضموم لثبوت الألوهية لمولانا الحاصل عند جميع العقلاء يحصل التوحيد، وفي قوله جميع العقلاء تعريض بالمعطلة الذين يعطلون المصنوع عن الصانع، وأنهم كالجانين لمخالفتهم للأدلة العقلية، لأنه لو حدث الممكن بنفسه بدون صانع لزم اجتماع الضدين الرجحان والمساواة، وهو باطل. (قوله: اعترضناه) أي بقوله: قلت وفيه نظر. (قوله: فتعين الخ) أي وإذا بطل كون إلا في لا إله إلا الله لمحض الاستثناء لما يلزم عليه أن لا إله إلا الله لا تفيد التوحيد اتفاقًا تعين الخ. (قوله: مسوقة الخ) أي فهي أداة حصر ملغاة ليست للإخراج، وأشار بهذا إلى أن المقصود بها قصر الألوهية المنفية قبل إلا لما بعدها، وهو الاسم الأعظم بعد نفيها عن غيره، فتكون من قصر الصفة على الموصوف، قصر إفراد ردًا على من زعم الشركة في الألوهية. (قوله: قلت كلامه الخ) هذ بحث من الشارح مع ناظر الجيش وحاصله أن المأخوذ من كلام ناظر الجيش المتقدم أن الخلاف في ما قام إلا زيدٌ، أي هل هو يفيد الحصر أوْ لا إنما هو إذا لوحظ المقدر، أما لو جُعل زيدٌ فاعلًا فلا خلاف في إفادته القصر، فرد الشراح عليه بأن الخلاف جار فيه أيضًا، فكما أنه جار في غير المفرغ جارٍ في المفرغ.
(قوله: أم لا) أي أو ليس الاستثناء من النفي إثباتا بل ما بعد إلا مسكوتٌ عنه لم يحكم عليه بشيء. (قوله: وظاهر كلام الرازي الخ) إنما عبر بظاهر لأن كلامه ليس نصًا في المراد، بل محتمل. (قوله: ولهذا) أي ولأجل كون الخلاف عامًا في المفرغ وغيره أوردوا أي اعترضوا على القائل بأن الاستثناء من النفي ليس بإثبات بل ما بعد إلا مسكوت عن حكمه بأنه يلزم على ذلك أنه لا يحصل التوحيد بكلمة الشهادة مع أنه يحصل بها التوحيد اتفاقًا، فقد أطلقوا في الاعتراض ولم يخصوه بما إذا كان الاستثناء من الكلام التام، فإطلاقهم ظاهر في أنه لا فرق بين المفرغ وغيره في جريان الخلاف خلافًا لما يفيده كلام ناظر الجيش من أن الخلاف في غير المفرغ فقط. (قوله: وأجيب) أي عن إيرادهم (قوله: بما ذكرناه من النظر) أي من إفادتها للتوحيد اتفاقًا بالنظر لعرف الشرع لا بالنظر للغة. (قوله: محتوية على نفي) وهو لا إله وقوله وإثبات أي وهو إلا الله