فالمنفي كل فرد من أفراد حقيقة الإله غير مولانا جل وعز، والمثبت من تلك الحقيقة فرد واحد وهو مولانا جل وعز، وأتى بإلا لقصر حقيقة الإله عليه تعالى بمعنى أنه لا يمكن أن توجد تلك الحقيقة لغيره تعالى لا عقلا ولا شرعا، وحقيقة الإله هو الواجب الوجود المستحق للعبادة، ولا شك أن هذا المعنى كلي أي يقبل بحسب مجرد إدراك معناه أن يصدق على كثيرين، لكن البرهان القطعي دل على استحالة التعدد فيه، وأن معناه خاص بمولانا جل وعز فقط، فالاسم المعظم المذكور بعد حرف الاستثناء ليس هو بمعنى الإله، فيكون كليًا، بل هو جزئي عَلَمٌ على ذات مولانا جل وعز، لا يقبل معناه التعدد ذهنا ولا خارجًا، ولو كان معنى الله كمعنى الإله لزم استثناء الشيء من نفسه، ولزم أن لا يحصل توحيد من هذه الكلمة المشرفة، وكذا لو كان معنى الإله جزئيا مثل الاسم الأعظم لزم أيضا استثناء الشيء من نفسه، والتناقض في الكلام بإثبات الشيء ثم نفيه.
والحاصل أن المعاني المقدرة عقلا في هذه الكلمة باعتبار معنى المستثنى منه والمستثنى أربعةٌ، ثلاثة منها باطلةٌ، والرابع ينقسم قسمين: أحد قسميه باطل، والآخر هو الذي يصح من الأقسام كلها، فالثلاثة الباطلة أن يكونا جزئيين أو كليين، أو الأول جزئيا والثاني
[حاشية الدسوقي]
(قوله: فالمنفي كل فرد الخ) أي بطريق اللزوم وإلا فالمنفي منصب على الحقيقة يستلزم نفيها نفي كل الأفراد كما يدل عليه قوله الآتي والمثبت من تلك الحقيقة، ولم يقل والمثبت من تلك الأفراد فردٌ واحدٌ، ولو قال الشارح فالمنفي حقيقة الإله من حيث تحققها في كل فرد غير الله المثبت من تلك الحقيقة المنفية فرد واحد كان أظهر. (قوله: لقصر حقيقة الإله الخ) أي الواجب الوجود المستحق للعبادة، أي فهو من قصر الصفة على الموصوف قصر إفراد ردا على المشركين المعتقدين للشركة، فالألوهية صفة، والمولى موصوف بها، ويمكن أن يجعل القصر هنا من قصر التعيين، ومن قصر القلب أيضًا، فقصر التعيين نظرا لمن يتردد في الإله هل هو الله أو غيره كاللات والعزى مثلًا، وقصر القلب نظرًا لمن يعتقد أن الإله فرد آخر غير الله، ثم إن قوله لقصر حقيقة الخ ظاهر في أن الاستثناء مفرغ، وهو خلاف ما قاله في صدر فصل الإعراب، من أن الكلام على تقدير موجود أو في الوجود، إلا أن يقال ما هناك على قول، وما هنا على قول أخر. (قوله: لا عقلًا ولا شرعًا) أي لا بالدليل العقلي ولا بالدليل الشرعي، لأن كلا منهما يدل على أن الإله واحدٌ، والشرعي يدل على أنه هو الله. (قوله: وحقيقة الإله) أي مفهومه وتعريفه الرسمي، وليس المراد مفهومه الذاتي، لأنه مجهول لنا لا يمكن وقوفنا واطلاعنا عليه، وأيضا وجوب الوجود واستحقاق العبادة خارجان عنه يفيدان تمييزه. (قوله: بحسب مجرد إدراك معناه) أي بحسب إدراك معناه المجرد عن دليل الوحدانية. (قوله: أن يصدق الخ) أن وما دخلت عليه مؤولة بمصدر مفعول لقوله يقبل. (قوله: القطعي) وصف كاشف، لأن البرهان لا يكون إلا قطعيا أي مقطوعا بمقدماته، فالوصف لبيان الواقع، أو أنه أتى به دفعا لما يتوهم أن المراد بالبرهان الدليل. (قوله: فيكون كليا) تفريع على المنفي أي حتى يكون كليًا.
(قوله: لا يقبل معناه التعدد ذهنا ولا خارجا) أما عدم قبوله التعدد خارجا فلقيام برهان التمانع على ذلك، وأما عدم قبوله ذهنا فلكونه جزئيا، والجزئي يمنع تصوره من صدقه على كثيرين، إن قلت التصور حضور الصورة في الذهن، والباري جل وعلا لا صورة له، أجيب بان المراد أنه لا يقبل التعدد ذهنًا على تقدير تصوره. (قوله: ولو كان معنى الله كمعنى الإله) أي بأن كان الله كليا معناه الواجب الوجود المستحق لجميع العبادة. (قوله: لزم استثناء الشيء من نفسه) أي ولزم أيضا التناقض بسبب نفي الإله ثم إثباته، ولزم أن لا يحصل التوحيد بالكلمة المشرفة، وهذه اللوازم الثلاثة إذا جعل كل من الإله والله كليًا، وأما إذا جعل كل منهما جزئيا لزم الأمران الأولأن دون الثالث لحصول التوحيد بالكلمة المشرفة حينئذٍ، لأنه أثبت الفرد المعبود بحق بقوله إلا الله. (قوله: ولزم أن لا يحصل توحيد) وجه لزومه هو أن الإله إذا كان كليا فالكلى يحتمل الكثرة، فلا تفيد الكلمة أن المتكلم بها موحد. (قوله: لزم أيضا استثناء الشيء من نفسه) فيه أن الكلام إن كان تاما بتقدير موجود أو في الوجود فالاستثناء ليس من إله وإنما هو من الضمير في الخبر، وإن كان مفرغا فلاستثناء من مقدر أحوجَ إليه رعايةُ حق الاستثناء، فأين استثناء الشيء من نفسه، وأجيب بأن الضمير في المعنى عين مرجعه، ووجه بطلان اللازم الذي هو استثناء الشيء من نفسه ما فيه من التنافض بسبب نفي الشيء ثم إثباته.
(قوله: والتناقض في الكلام) يحتمل أن يكون العطف للتفسير، ويحتمل أنه ليس للتفسير، وأن وجه امتناع استثناء الشيء من نفسه هو أنه لا يفيد، وسبب عدم الإفادة التناقض. إن قلت هل التناقض هنا بين مفردين أو بين قضيتين، قلت بين قضيتين إحداهما مذكورة، والأخرى نابت"إلا"منابها، كما تنوب لفظة نعم عنها، وكأنه قيل: لا إله موجود إلا إله موجود، واعلم أن التناقض إنما يلزم على قول من يرى أن الاستثناء من النفي إيجابٌ، أما على قول من يرى أن ما بعد إلا مسكوت عنه فلا يلزم عليه التناقض. (قوله: ثم نفيه) ثم هنا للترتيب في الإخبار، وإلا فالنفي في الكلمة المشرفة سابق على الإثبات (قوله: أو الأول جزئيا والثاني