التي انفرد بها مولانا جل وعز تشتمل عل معنيين أحدهما استغناؤه جل وعز عن كل ما سواه، والثاني افتقار كل ما سواه إليه جل وعلا أخذ يذكر ما يندرج من عقائد الإيمان تحت المعنى الأول وهو الاستغناء، فإذا فرغ من ذلك يذكر ما يندرج منها تحت المعنى الثاني وهو الافتقار، وقوله: ويدخل في ذلك وجوب السمع له تعالى والبصر والكلام، يعنى يدخل في وجوب تنزهه تعالى عن النقائص وجوب هذه الصفات الثلاث له تعالى لما عرفت فيما سبق أن الدليل العقلي على إثباتها كون أضدادها نقائص، ومولانا جل وعز منزه عن النقائص باجماع العقلاء، وقوله إذ لو لم تجب له تعالى هذه الصفات إلى آخره بين بهذا الكلام وجه استلزام استغنائه تعالى بهذه الصفات، وذلك يلزم منه ثبوت الحاجة لو انتفى واحد من تلك الصفات، أما الوجود والقدم والبقاء والمخالفة للحوادث، وأحد جزأي معنى القيام بالنفس وهو الاستغناء عن المخصص فلا يخفى عليك بعد أن وصلت إلى هذا الموضع أن نفي كل واحد من هذه الصفات الخمس يستلزم الحدوث، وقد عرفت مما سبق أن كل حادث مفتقر إلى محدث سواه، ويتعالى عن ذلك من وجب له الغنى المطلق عن كل ما سواه، فقولنا في أصل العقيدة لكان محتاجا إلى المحدث استدلال على وجوب هذه الصفات لخمس له تعالى، وقولنا أو المحل استدلال على وجوب الجزء الثاني من معنى القيام بالنفس وهو الاستغناء عن المحل، وقولنا أو من يدفع عنه النقائص استدلال على وجوب التنزه عن النقائص الذي يدخل فيه وجوب السمع له والبصر والكلام.
(ص) ويؤخذ منه تنزهه تعالى عن الأغراض في الأفعال والأحكام
[حاشية الدسوقي]
تعالى وهو المطلوب، هذا حاصله. (قوله: التي انفرد الخ) وصف كاشف إن أريد بالألوهية كونه معبودا بحق، ومخصص إن أريد بها مطلق كونه معبودا، لأن الكون معبودا يُوجد في الله وفي غيره. (قوله: أخذ يذكر ما يندرج) يعنى باللزوم والارتباط الذي بين اللازم والملزوم، لإن دلالة كل واحد من المعنيين على ما يندرج تحته من العقائد بالالتزام، وإنما جعلنا الاندراج باللزوم لأن الاندراج الحقيقي وهو دخول الشيء في الشيء إنما يكون في دلالة العام على أفراده والدلالة هنا التزامية كما عرفت. (قوله: يعني يدخل في وجوب تنزهه الخ) أتى بالعناية لكون هذا التفسير غير متبادر من المصنف، لأن المتبادر من قوله ويدخل في ذلك أن الإشارة للتنزه لا لوجوبه، لكن الدخول إنما هو في وجوبه. (قوله: لما عرفت فيما سبق أن الدليل العقلي الخ) تقدم أن الدليل العقلي لا ينهض في السمع والبصر والكلام ولوازمه المعنوية، وإنما التفت له الشارح هنا لأن اندراجها في الاستغناء إنما يأتي عند الالتفات للدليل العقلي لا عند الالتفات للدليل السمعي وإن كان أقوى، ووجه ضعف الدليل العقلي أن جعل أضداد هذه الصفات نقائص إنما يسلم في حق الحادث وليس كل ما كان نقصًا في حق الحادث يكون نقصًا في حق القديم. (قوله: كون أضدادها نقائص) قد تقدم أن الدليل العقلي على إثباتها هو أنه لو لم يتصف بها لاتصف بأضدادها، لكن التالي باطل فبطل المقدم، ووجه بطلان التالي وهو الاتصاف بأضدادها أن أضدادها نقائص والنقص عليه تعالى محال، إذا علمت هذا فقول الشارح كون أضدادها نقائص الخ دليل للاستثنائية لا أنه نفس الدليل العقلي المستدل به على ثبوت هذه الصفات له تعالى كما هو ظاهر الشرح، وأجاب الملوى عن الشراح بأنه: ليس مراده بالدليل الدليل المنطقي بل الدليل اللغوي وهو ما له دخل في الدلالة، فتأمل. (قوله: بإجماع العقلاء) فيه إشارة إلى أن الذي يعتمد عليه في نفي النقائص عنه تعالى هو الدليل السمعي. (قوله: وذلك) أي وبيان ذلك الاستلزام أنه يلزم ثبوت الحاجة. (قوله: أما الوجود) أي أما وجوب الوجود. (قوله: إلى هذا الموضع) أي موضع اندراج العقائد تحت معنى الكلمة المشرفة، وإنما قيد بهذا الظرف وهو قوله بعد أن وصلت إلى هذا الموضع لأن استلزام نفي كل واحد من الصفات الخمسة المذكورة للحدوث إنما يعلم بعد معرفتها مما تقدم. (قوله: الذي يدخل فيه وجوب السمع له والبصر والكلام) أي وكذا وجوب كونه سميعا وبصيرا ومتكلما. (قوله: تنزهه تعالى عن الأغراض الخ) تقدم أن هذا داخل في المخالفة للحوادث، لكنه أفرده هنا بالأخذ لأجل إيضاحه وزيادته بيانًا، ثم إن تنزهه عن الأغراض عقيدة ثانية عشرة، وقوله: كذا يؤخذ منه أيضا أنه لا يجب عليه فعل شيء الخ عقيدة ثالثة عشرة، وسيأتي عقيدة رابعة عشرة وهي نفي كون الشيء مؤثرا بقوة أودعها الله فيه، لأنه يصير مولانا جل وعز مفتقرا إلى واسطة في إيجاد بعض الأفعال، فهذه أربع عشرة عقيدة من استغنائه تعالى عن كل ما سواه، وأضداد هذه العقائد أربعة عشر مثلها، فالجملة ثمان وعشرون عقيدة كلها مأخوذة من استغناءه عن كل ما سواه. (قوله: في الأفعال) جمع فعل وهو إيجاد الله للشيء. (قوله: والأحكام) جمع حكم كالوجوب والندب والإباحة والحرمة والكراهة، مثلا إذا قصدت إخراج الماء من الأرض فحفرتها حتى خرج الماء فالحفر فعل، وخروج الماء غرض باعث لك عليه، والمولى سبحانه وتعالى ليس له غرض يحمله على فعل من الأفعال ولا على حكم