فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 238

وإلا لزم افتقاره إلى ما يُحَصِّلُ غرضه كيف وهو جل وعز الغني عن كل ما سواه، وكذا يؤخذ منه أيضا أنه لا يجب عليه تعالى فعل شيء من الممكنات ولا تركه، إذ لو وجب عليه تعالى شيء منها عقلا أو استحال عقلا كالثواب مثلا لكان جل وعز مفتقرا إلى ذلك الشيء ليتكمل به غرضه، إذ لا يجب في حقه جل وعز إلا ما هو كمال له كيف وهو الغني جل وعلا عن كل ما سواه.

(ش) الغرض المنفي عنه تعالى عبارة عن وجود باعث يبعثه تعالى على إيجاد فعل من الأفعال أو على حكم من الأحكام الشرعية من مراعاة مصلحة تعود إليه تعالى أو إلى خلقه، ولا خفاء أن كلا الوجهين مستحيل على الله عز وجل، أما عودها إليه تعالى فلما يلزم عليه من احتياجه تعالى إلى أن يتكمل بمخلوقه، وأما إلى خلقه فكذلك أيضا لما يلزم عليه من دفع النقص عنه تعالى بخلق المصلحة لخلقه - تعالى عن ذلك -، ودفع النقص كمال فيلزم أيضا في هذا القسم الثاني احتياجه جل وعلا عن ذلك إلى مخلوق، وهي المصلحة التي توجد لخلقه تعالى كالثواب ونحوه، ليتكمل بها، ويتعالى عن ذلك كله من وجب له الغنى المطلق تبارك وتعالى.

[حاشية الدسوقي]

من الأحكام، فليس إيجابه الصلاة أو تحريمه الزنا لغرض بعثه وحمله على ذلك. (قوله: وإلَّا لزم) أي وإلَّا بأن لم يتنزه عن الأغراض بأن كان هناك غرض بعثه على فعل من الأفعال أو على حكم من الأحكام لزم أن يفتقر المولى لذلك الفعل أو الحكم المحصل لغرضه، لأن الغرض وإن بعث على الفعل وكان سابقا عليه بحسب الملاحظة إلا أنه متأخر عنه في الوجود لترتبه عليه وجودا، فقوله: إلى ما يحصل الخ أي إلى فعل أو حكم يحصل غرضه فالتالي وهو لزوم الافتقار باطل فبطل المقدم وهو عدم التنزه عن الأغراض في الأفعال والأحكام، وإذا بطل عدم التنزه عما ذكر ثبت نقيضه وهو التنزه عما ذكر، فقوله: كيف وهو جل الخ إشارة للاستثنائية وكأنه قال: كيف يصح التالي وهو لزوم افتقاره أي لا يصح ذلك لأنه جل وعز الغني عن كل ما سواه، فظهر لك مما قلناه أن الفعل والحكم والغرض متغايرة، وأن الأولين يحصلان الثالث. (قوله: كذا يؤخذ منه الخ) قيل لو قدمه المصنف على قوله ويؤخذ من تنزهه عن الأغراض كان أبين، لأنه إذا لم يجب عليه فعلٌ لزم أن لا يكون له غرض قاله يس. (قوله: إذ لو وجب عليه تعالى شيء منها عقلا أو استحال عقلا) يعنى لو وجب عليه فعل شيء منها أو وجب عليه تركه، وقوله عقلا أي وأما شرعا فيجب، كثواب الطائع فإنه واجب من حيث إنه وعد به، وقوله: لكان مفتقرا إلى ذلك الشيء أي فعلا أو تركا لأنه لو وجب عليه الترك لكان كمالا له فيفتقر إليه، والحاصل أن شأن الواجب على الشخص أن يتكمل به سواء كان فعلا أو تركا، ففعل الصلاة واجب على الشخص، وكذا تركه للزنا، فإذا فعل ذلك الواجب صار متكملا بهذا الواجب فيكون مفتقرا إليه، فكذلك المولى لو وجب عليه فعل شيء أو تركه لكان المولى متكملا بذلك الواجب فيكون مفتقرا إليه، لكن التالي باطل فكذلك المقدم، فعلمت مما ذكرنا أن قول المصنف: وكذا يؤخذ منه أنه لا يجب عليه تعالى فعل شيء الخ ليس فيه مصلحة مغايرة للفعل كما في القسم الأول، إذا علمت ذلك تعلم ما في كلام الشارح حيث بين الغرض الباعث على وجوب فعل أو حكم بالمصلحة العائدة عليه تعالى أو على خلقه مع إنه إذا كان هناك مصلحة عائدة على خلقة لم تكن المصلحة مغايرة للفعل.

والحاصل: أنه في القسم الثاني ليس فيه مصلحة مغايرة للفعل بل المصلحة التي تعود لخلقه نفس فعله، وصدر عبارة الشارح يفيد أن المصلحة والفعل متغيران في القسم الثاني أيضًا، فالأولى له حذف قوله أو إلى خلقه لأنه من قبيل القسم الثاني. (قوله: إذ لا يجب) بيان للملازمة في الشرطية. (قوله: كيف وهو الغني الخ) إشارة للاستثنائية، أي كيف يفتقر لذلك الشيء ليتكمل به، أي لا يصح ذلك أي أن التالي باطل لأنه جل وعز الغني عن كل ما سواه. (قوله: من مراعاة مصلحة) بيان للباعث الذي يبعث على إيجاد فعل أو حكم. (قوله: أما عودها إليه) أي أما وجه الاستحالة في عودها إليه. (قوله: فلما يلزم عليه من احتياجه الخ) أي لزم نقصه واحتياجه ليتكمل بمخلوقه وهو الفعل المحصل لغرضه، وكان الأولى أن يقول بمخلوقه أو حكمه فيتكمل بمخلوقه وهو الفعل إذا كان له غرض في فعل، ويتكمل بحكمه إذا كان له غرض في حكم. (قوله: وأما إلى خلقه) أي وأما عودها إلى خلقه. (قوله: فكذلك) أي فهو مثل عود المصلحة إليه من لزوم احتياجه تعالى إلى أن يتكمل بمخلوقه، فوجود الشبه بين هذا وذلك هو الاحتياج إلى تكمله تعالى بالمخلوق فيهما. (قوله: لما يلزم الخ) أي وإنما احتاج لتكمله بمخلوقه إذا كانت المصلحة عائدة على المخلوق لما يلزم على عود المصلحة لمخلوقه من دفع الخ. (قوله: بخلق المصلحة) أي كالثواب الخ قد مثل ذلك في الشاهد ولله المثل الأعلى برجل له أولاد لا يقدرون على الخدمة فيحرث ويزرع لهم، فلو ترك الحرث للحقه المعرة بذلك، فالمنفعة عادت على أولاده، والمعرة دفعت عنه، وعدم المعرة كمال له، فكذلك المولى لو وجب عليه فعل شيء كالثواب لكان تركه معرة في حقه ونقصًا، وإذا فعله عادت المنفعة على عباده، واندفع النقص عنه، وعدم النقص كمال له، فصار محتاجا لذلك الفعل لأجل كماله وزوال النقص عنه. (قوله: القسم الثاني) أي وهو عود المصلحة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت