فقد استبان أن أفعاله جل وعز وأحكامه كلها لا علة لها باعثة، وإنما هي بمحض الاختيار، وما راعى تعالى من مصالح الخلق فبمحض فضله، ولا حق لأحد عليه تعالى، فأشرنا في أصل العقيدة إلى القسم الأول بقولنا ويؤخذ منه تنزهه تعالى عن الأغراض إلى قولنا عن كل ما سواه، وأشرنا إلى القسم الثاني بقولنا: وكذا يؤخذ منه أيضا أنه لا يجب عليه تعالى فعل شيء من الممكنات ولا تركه إلى آخره.
(ص) وأما افتقار كل ما سواه إليه جل وعز فهو يوجب له تعالى الحياة وعموم القدرة والإرادة والعلم؛ إذ لو انتفى شيء من هذه لما أمكن أن يوجد شيء من الحوادث، فلا يفتقر إليه شيء كيف وهو الذي يفتقر إليه كل ما سواه.
(ش) هذا شروع منه في ذكر ما يندرج تحت المعنى الثاني الذي تضمنه معنى الألوهية، ولاخفاء أن وجوب الافتقار إليه تعالى يستلزم قدرته تعالى على إيجاد الشيء المفتقر فيه إليه، وذلك يستلزم وجوب اتصافه بالقدرة والإرادة والعلم العامة لجميع متعلقاتها لما عرفت فيما سبق من وجوب توقف تأثير القدرة على الإرادة والعلم، ويستلزم أيضا وجوب
[حاشية الدسوقي]
لخلقه. (قوله: فقد استبان) أي تبين مما ذكرناه. (قوله: وإنما هي) أي مجموع أفعاله وأحكامه لا كل واحد لأن الأحكام لا يتعلق بها الاختيار قاله يس، وهو مبني على أن الأحكام قديمة، فتأمل. (قوله: وما راعى الخ) أي فالمولى أوجب الصلاة مثلا على عباده ولم يراع حصول الدرجات لهم في الجنة، وخلق عباده ولم يراع أنهم يعبدونه، والحاصل أن الغرض الباعث على الفعل أو الحكم منفي، وأما الحكمة المترتبة على الفعل فموجودة ولم يراعها المولى وإن كان عالما بها قبل وجود الفعل، فقوله وما راعى أي ولم يراع المولى شيئا من المصالح التي تحصل للخلق بمحض فضله لأنه لو راعاها لكان فعله لغرض وقد علمت أن الغرض منفي. (قوله: إلى القسم الأول) أي وهو مراعاة المصلحة العائدة عليه. (قوله: وأشرنا إلى القسم الثاني) وهو مراعاة المصلحة العائدة على خلقه. (قوله: فهو يوجب له الحياة) أي فهو مقتض ومستلزم لوجوب الحياة ولوجوب القدرة العامة والإرادة العامة والعلم العام، وكذا يستلزم معنوياتها وهي كونه حيا وقادرا ومريدا وعالما، فهذه ثمان عقائد يستلزمها عموم الافتقار إليه تعالى، ويستلزم استحالة أضداداها وهي ثمانية أيضا فالجملة ست عشرة عقيدة، وسيأتي ثلاث عقائد وجوب الوحدانية وحدوث العالم بأسره وعدم تأثير شيء من الكائنات بذاته، وأضدادها ثلاثة مثلها، فجملة ما استلزمه عموم الافتقار من العقائد اثنتان وعشرون عقيدة، وقد تقدم أن استغناءه عن كل ما سواه يستلزم ثمانية وعشرين عقيدة، فجملة ما تضمنه معنى الكلمة المشرفة من العقائد خمسون عقيدة، قاله شيخنا الملوى، وقدم الحياة هنا على الثلاثة بعدها نظرا لكون الحياة شرطا في الاتصاف بالثلاثة بعدها، والشرط مقدم على المشروط طبعا فقدم في الوضع لأجل أن يوافق الوضع الطبع، وفيما تقدم قدم الصفات الثلاثة على الحياة نظرا المزيد تعلقها. (قوله: وعموم القدرة) أشار إلى أن لازم عموم الافتقار وجوب عموم التعلق لهذه الثلاثة إذ لو لم يعم التعلق لم يفتقر إليه جميع ما سواه على العموم. (قوله: إذ لو انتفى شيء من هذه لما أمكن أن يوجد شيء من الحوادث) أي لأن انتفاء هذه يوجب انتفاء التأثير وانتفاء التأثير يوجب انتفاء الأثر وهو الحوادث لبطلان الفعل على سبيل التعليل، والحاصل أنه لو انتفت الحياة لانتفت القدرة والإرادة والعلم، وإذا انتفت الأربعة فلا يوجد شيء من الحوادث فلا يفتقر إليه شيء، ولو انتفت الإرادة لانتفت القدرة لأن القدرة تابعة للإرادة في التعقل، وإذا انتفت القدرة كان عاجزا فلا يوجد شيء من الحوادث فلا يفتقر إليه شيء، ولو انتفى العلم لانتفت الإرادة لأنها تابعة له في التعقل فتنتفي القدرة فيلزم العجز فلا يفتقر إليه شيء، والتالي باطل لأنه يجب افتقار كل ما سواه إليه. (قوله: لما أمكن أن يوجد شيء إلى آخره) قد يقال نفي ما سبق صادق بنفيها من أصلها وصادق بثبوت الصفات المتقدمه خاصة التعلق ببعض الأشياء بأن توجد قدرة وإرادة وعلم غير عام التعلق، وما ذكره من اللوازم إنما يترتب على الأول لا على الثاني لأنه يمكن وجود بعض الحوادث الذي تعلق به العلم والقدرة والإرادة غير العامة، فيفتقر إليه ذلك البعض الذي وجد بهذه الصفات، وأجيب بأن ثبوت أوصاف خاصة التعلق باطل لأنه ترجيح بلا مرجح، لأن علة التعلق الإمكان وهو موجود في الجميع. (قوله: فلا يفتقر إليه شيء) مفرع على عدم الإمكان ومرتب عليه. (قوله: المفتقر) بكسر القاف أي ذلك الشيء، وقوله: فيه أي في الإيجاد، وقوله: إليه، أي: إلى الله تعالى. (قوله: وذلك) أي: استلزام القدرة يستلزم اتصافه الخ فحاصله: أن الافتقار يستلزم القدرة واستلزام القدرة يستلزم اتصافه بالقدرة والإرادة والعلم والحياة، وكان الأحسن أن يقول: إن الافتقار العام يستلزم قدرة عامة التعلق، والقدرة العامة التعلق تستلزم إرادة عامة التعلق، والإرادة العامة التعلق تستلزم علما عام التعلق، والثلاثة تستلزم الحياة، وأما ما صنعه الشارح من جعل المستلزم للحياة خصوص القدرة فهو غير مناسب كما هو ظاهر. (قوله: ويستلزم أيضا وجوب