لوضع عقيدة صغيرة الجِرْمِ كثيرة العلم، محتوية على جميع عقائد التوحيد ثم تأييدها بالبراهين القطعية القريبة لكل من له نظر سديد، ثم ختمناها بشيء لم نره سمع به أحد غيرنا من المتقدمين ولا من المتأخرين وهو أنا شرحنا كلمتي الشهادة التي لا غنى للمكلف عن معرفتها
[حاشية الدسوقي]
وإحسانه لا بطريق الجبر والقهر. (قوله: لوضع عقيدة) أي لتأليف كتاب يسمى بعقيدة لاحتوائه على العقائد من حيث إنه يدل على الألفاظ الدالة على النسب التامة التي هي العقائد، وقولنا من حيث إنه يدل على الألفاظ ولم نقل من حيث إنه ألفاظ دالة على النسب بناء على ما يفهم من كلامه من أن العقيدة اسم للنقوش.
(قوله: صفيرة الْجِرْمِ) أي باعتبار ما حلت فيه من الأوراق إذ هي المتصفة بصغر الجرم حقيقة، وقضيته أن العقيدة اسم للنقوش وهو خلاف التحقيق من أنها اسم للألفاظ المخصوصة الدالة على المعاني المخصوصة، ويمكن تمشيته على التحقيق بأن يقال قوله صغيرة الجرم أي باعتبار محل دالها وقوله كثيرة العلم أي باعتبار دلالتها على النسب التامة. (وقوله: محتوية على العقائد) من احتواء الدال على المدلول فتأمل. (قوله: كثيرة العلم) أراد بالعلم النسب التامة، ووصف العقيدة بكثرة النسب باعتبار أنها دالة على الألفاظ الدالة على النسب التامة لأن الموصوف بكثرة العلم بالمعنى المذكور حقيقة الألفاظ والمفهوم من كلامه من أنها اسم للنقوش وبقولنا أراد بالعلم النسب اندفع ما يقال العلم إما الإدراك أو الملكة وكل منهما وصف يقوم بالشخص لا بالعقيدة، وحينئذ فلا يصح وصفها بكثرة العلم.
(قوله: محتوية) من احتواء الدال على مدلول مدلوله لأن العقائد هي النسب التامة الجزئية، وهي مدلولة للألفاظ وهي مدلولة للنقوش التي هي مسمى العقيدة على كلامه، والمراد بالتوحيد علم التوحيد وحينئذ فإضافة عقائد للتوحيد لأدنى ملابسة أي محتوية على جميع العقائد التي تذكر في ذلك العلم أو من إضافة الشيء إلى كليه، لن العقائد اسم للنسب التامة الجزئية كثبوت القدرة لله تعالى والإرادة وعدم الوالدية والمولودية، والتوحيد اسم للقضايا الكلية كقولك كل كمال واجب لله، تعالى وكل نقص محال على الله، وقوله محتوية على جميع عقائد التوحيد أي الواجب معرفتها على المكلف تفصيلا وإجمالًا، أما احتواؤها على العقائد الواجب معرفتها تفصيلًا فظاهر لأنه ذكر فيها العشرين صفة وأضدادها، وأما احتواؤها على العقائد الواجب معرفتها إجمالا فلأن فيها لا إله إلا الله وهي محتوية على جميع العقائد مطلقا. (قوله: ثم تأييدها) أي تقوية العقائد، وثم للترتيب المجرد عن التراخي، وتأييد عطف على جميع، أي محتوية على جميع العقائد، ومحتوية على تأييد العقائد بالبراهين، وقضيته أن العقيدة محتوية على التأييد الذي هو وصف للمؤيد مع أنها إنما هي محتوية على ما به التأييد من البراهين فكان الأولى أن يقول ثم على ما به تأييد من البراهين إلا أن يقال إنه أطلق التأييد وأراد منه التأيد أي كونها مؤيدة بالبراهين، ويلزم من احتوائها على ما ذكر احتواؤها على البراهين فتامل. ويمكن جعل قوله ثم تأييدها عطفا على قوله وضع عقيدة أي أن وفقنا لوضع عقيدة محتوية على العقائد وأن وفقنا لتأييدها بالبراهين التي ذكرناها فيها؛ وحينئذ فلا يرد الإشكال المتقدم. (قوله: القريبة) أي القريبة الإدراك (قوله: نظر) أي فهم. (وقوله: سديد) أي صواب أي القريبة الإدراك لمن له فهم صواب وإن لم يكن ذلك الفهم تامًا، فالمحترز عنه بمن له فهم صواب البليد جدًا فإنه لا يفهم تلك البراهين لا ذو الفهم غير التام. (قوله: سمح) بكسر الميم أي جاد وفي التعبير بذلك إشارة إلى عزة ذلك الشيء ونفاسته، وأن شأن النفوس أن تشح به، وإنما نفى رؤية سماحة غيره بذلك ولم ينف نفس السماحة به تحريا للصدق لإمكان أن يكون غيره سمح به ولم يره وقد ذكر الشيخ الملوي نقلا عن بعض أشياخه أنه قال قد رأينا من الأقدمين من فعل كما فعل المصنف في هذه العقيدة وكأنه من توارد الخواطر. (قوله: وهو) أي ذلك الشيء (قوله: أنا شرحنا كلمتي الشهادة) أي كشفنا وبينا معناهما وقوله كلمتى الشهادة بالتثنية في نسخة وفي نسخة كلمة الشهادة بالإفراد ويناسبها إفراد الضمائر فيما يأتي، وأطلق الكلمة على الجملة المفيدة وهو شائع لغةً، وإضافة كلمة للشهادة من إضافة الأعم للأخص. (قوله: عن معرفتها)