وإلى عذب مواردها يشتد عطش المتعطشين، إذ بها تقرع أبواب فضل الله تعالى، والدخول في زمرة المتقين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وبإتقان معرفتها يسلم العبد من آفات الخلود في غضب الله، ويترقى بفضل الله تعالى إلى أعلى عليين فذكرنا معناها أولًا، ثم بينا وجه دخول جميع عقائد الإيمان فيها بحيث تبتهج عند ذلك بذكرها قلوب المتقين وينبسط على بواطنهم
[حاشية الدسوقي]
أي معرفة كلمة الشهادة أي معرفة معناها.
(قوله: وإلى عذب مواردها يشتد عطش المتعطشين الخ) الجار والمجرور أعني قوله إلى عذب متعلق بقوله يشتد أي ويشتد عطش المتعطشين إلى عذب مواردها، والجملة عطف على الصلة، وهي قوله لاغنى للمكلف عن معرفتها ثم إن العذب معناه الحلو، والموارد جمع مورد يطلق على محل ورود الماء، ويطلق على الماء المورود وهو المراد هنا، والمعنى ويشتد عطش المتعطشين إلى حلو مائها، وهو مستعار لمعاني كلمة الشهادة، فشبهت تلك المعاني بالماء الموررد بجامع حياة النفس بكلٍ، واستعير لها اسمها على طريق الاستعارة المصرحة، وقوله يشتد عطش الخ ترشيح للاستعارة، وإضافة عذب لما بعده من إضافة الصفة للموصوف، وضمير مواردها لكلمة الشهادة، وقوله عطش المراد به لازمه وهو الاشتياق فيكون مجازًا مرسلًا، وكذا قوله المتعطشين المراد لازمه وهو المشتاقون، والمعنى ويشتد اشتياق المشتاقين إلى معنى كلمة الشهادة العذبة الحلوة.
(قوله: إذ بها) أي بكلمة الشهادة أي بذكرها والمداومة عليها وهذا علة لما قبله، والجار والمجرور متعلق بما بعده قدم عليه لإفادة الحصر.
(قوله: تقرع أبواب فضل الله) شبه فضل الله أي إحسانه بخزائن فيها تحف على طريق الاستعارة بالكناية والأبواب تخييل وتقرع ترشيح، إن قلت إنه لا يلزم من قرع الأبواب الدخول مع أنه المقصود قلت لما كان شأن القرع الدخول بحسب العادة أطلق وأريد لازمه العادي اذ لا يشترط اللزوم العقلى في المجاز. (قوله: الدخول) عطف على معنى تقرع أي إذ بها القرع والدخول. (قوله: في زمرة المتقين) الزمرة الجماعة، والإضافة للبيان، والدخول فيهم بأن يكون من جملتهم بحيث يعد منهم.
واعلم أن معرفة الله إما أن تكون بالمعاينة القلبية كان هناك قرب أوْ لا، وإما أن تكون بالأدلة القطعية، وإما أن تكون بالأدلة الظنية الإقناعية، فأشار الشارح بقوله مع النبيين إلى من عرف الله بالمعاينة القلبية مع القرب، وبقوله والصديقين إلى من عرف الله بالمعاينة لكن لا مع القرب، وبقوله والشهداء بمعنى العلماء إلى من عرف الله بالأدلة القطعية، وبقوله والصالحين إلى من عرف الله بالادلة الظنية الإقناعية كالاستدلال على وحدة الله بقولك لو كان هناك إله ثان لوقعت السموات على الأرض لكن التالي باطل فكذا المقدم، فهذا دليل إقناعي غير قطعي لكون الشرطية ممنوعة.
(قوله: باتقان معرفتها) الإنقان هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع عن دليل، وكذلك المعرفة وحينئذ فالإضافة للبيان، والجار والمجرور متعلق بما بعده وهو يسلم قدم عليه لإفادة الحصر، وجملة ويسلم باتقان معرفتها من آفات الخلود عطف على تقرع أبواب فضل الله بها، والمعنى إذْ تقرع أبواب فضل الله بذكرها ويسلم العبد من آفات الخلود باتقان معرفتها أي معرفة معناها وظاهره المرور على القول بأن المقلد كافر إلا أن يراد بالخلود طول المكث أو يقدر مضاف أي توقع الخلود. (قوله: من آفات الخلود) يحتمل أن يراد بالآفات أنواع العقاب التي تتوارد على أهل جهنم فتكون الإضافة حقيقيةً، ويحتمل أن تكون الإضافة من إضافة المشبه به للمشبه أي ويسلم العبد من الخلود الشبيه بالآفات بمعرفتها.
(قوله: في غضب الله) المراد بغضبه انتقامه، وفي الكلام حذف مضاف أي في محل غضب الله وهو جهنم (قوله: إلى أعلى عليين) عليين اسم لموضع في الجنة تحت العرش تسكن فيه أرواح كُمَّلِ المؤمنين على ما قيل. (قوله: فذكرنا معناها) عطف على قوله شرحنا كلمتي الشهادة عطفُ مفصلٍ على مجملٍ، وضمير معناها لكلمة الشهادة.
(قوله: عقائد الإيمان) أي العقائد المنسوبة للإيمان من نسبة المتعلق بالفتح للمتعلق بالكسر، لأن الإيمان متعلق بتلك العقائد إذ هو التصديق بها وبغيرها من الأحكام التي جاء النبي صلى الله عيله وسلم بها.
قوله: (بحيث تبتهج) أي فصارت كلمة الشهادة ملتبسة بحالة هي أن تبتهج أي تُسَرُّ قلوب المتقين بسبب ذكرها عند ذلك الدخول.
قوله: (وينبسط) أي ينتشر قوله: (على بواطنهم) أي على قلوبهم بمعنى نفوسهم.