وظواهرهم ما انطوى من محاسنها فأصبحوا يتبخترون في حلل معارفها بين رياض الجنة مترددين، فدونك أيها المتعطش للدخول في زمرة أولياء الله تعالى عقيدة لا يعدل عنها بعد الاطلاع عليها والاحتياج إلى ما فيها إلا من هو من المحرومين إذ لا نظير لها فيما علمت،
[حاشية الدسوقي]
(قوله: وظواهرهم) أي جوارحهم (قوله: ما انطوى من محاسنها) فاعل ينبسط أي ما انطوت عليه من المعاني الحسنة، فقوله من محاسنها بيان لما، وانبساط المعاني على القلوب ظاهر، وأما انبساطها على الظواهر فباعتبار آثارها التي تظهر على البدن من التواضع والخضوع والنورانية واصفرار اللون.
(قوله: فاصبحوا) هذا مفرع على قوله وينبسط الخ، وأصبح فعل ماض بمعنى المضارع أي فيصبحون في يوم القيامة أي يصيرون فيه، وعبر عن ذلك المعنى الاستقبالي بالفعل الماضي لتحقق وقوعه، فكأنه قد حصل، وضميره للمتقين، وقوله يتبخترون أي يمشون المشية الدالة على الكمال والشرف، وقوله في حلل معارفها في سببية، والحلل جمع حلة وهي ما يلبس للزينة، ومعارفها أي كلمة الشهادة معانيها الحسنة، وإضافة حلل إليها من إضافة المشبه به للمشبه، وقوله بين رياض الجنة ظرف لقوله يتبخترون، والرياض: جمع روضة وهي البستان: وأصل رياض: رواض قلبت الواو ياء لوقوعها إثر كسرة، وقوله مترددين: حال من ضمير يتبخترون، ومتعلقه محذوف، أي من بستان لبستان آخر، ومعنى الكلام أنهم يصيرون يوم القيامة يمشون مشية دالة على الشرف والكمال بين بساتين الجنة حال كونهم مترددين من بستان لبستان آخر بسبب معارف كلمة الشهادة القائمة بهم الشبيهة بالحلل، ويصح ان يكون في قوله: في حلل معارفها استعارة بالكناية وتخييل بأن تشبه المعارف بعروس تشبيها مضمرا في النفس على طريق الاستعارة بالكناية، وإثبات الحلل للمعارف تخييل، ويصح أن يكون حلل معارفها مستعارًا لآثار معارفها استعارة مصرحة.
(قوله: فدونك) قيل إنه اسم فعل أمر بمعنى خذ، الكاف اللاحقة له حرف خطاب لا محل لها من الإعراب، وفاعله ضمير مستتر فيه وعقيدة مفعوله أي خذ عقيدةً، والمراد بأخذها تعاطيها حفظا أو إدراكا أو تدريسا أو غير ذلك، وقيل إنه اسم فعل أمر بمعنى الزم، فالكاف اللاحقة له ضمير مفعول أول لاسم الفعل، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، وعقيدة مفعول ثان، والتقدير ألزم نفسك عقيدةً، وقيل إنه اسم فعل ماض بمعنى لزم والكاف اللاحقة له ضمير فاعل باسم الفعل، ووضع ضمير غير الرفع موضع ضمير الرفع والمعنى لزمت عقيدة، وقيل إنه اسمُ فعلٍ وُضِعَ موضع المصدر والكاف اللاحقة له في محل جر بالإضافة أي إلزامك عقيدة أي ألزمك عقيدة إلزاما منسوبًا لك من حيث تعلقه بك. (قوله: أيها) منادى حذف منه حرف النداء أي يا أيها (قوله: المتعطش) أي المشتاق (قوله: في زمرة أولياء الله) الزمرة الجماعة والإضافة للبيان، والأولياء جمع ولي وهو من تولى طاعة ربه وتباعد عن الانهماك في اللذات والشهوات، فعيل بمعنى فاعل، وعلم منه أنَّ تعاطي أصل اللذات والشهوات لا ينافي الولاية، أو من تولى الله أمره فلم يكله لنفسه فعيل بمعنى مفعول. (قوله: عقيدة) أي كتابا مسمى بعقيدة. (قوله: إلا من هو من المحرومين) أي من الذين حرمهم الله ومنعهم من نيل مرادهم، والاستثناء مفرغ، فمن في محل رفع على الفاعلية بيعدل أي لا يعدل عنها أحد بعد الاطلاع عليها والاحتياج إليها إلا من كان من المحرومين، فالمحكوم عليه بالحرمان من اطلع عليها واحتاج إليها لا مطلقا، فلا يرد أنه لا يصح الحكم لوجود غيرها من كتب أهل السنة. (قوله: إذ لا نظير لها) تعليل لقوله فدونك أي الزم هذه العقيدة المتصفة بما ذكر لأنها لا نظير لها، وجملة لا يعدل معترضة لتأكيد المدح، ويصح أن يكون تعليلا لقوله لا يعدل عنها أي علة للنفي لا للمنفي، والمعنى انتفى العدول عنها إلا لمن كان من الحرومين لأجل عدم النظير لها، والنظير هو المشارك ولو في وصف، والشبيه هو المشارك في أكثر الأوصاف، والمثيل هو المشارك في جميعها. (قوله: فيما علمت) قيد بذلك لأجل تحري الصدق إذ يمكن وجود نظير لها لم يطلع عليه، و"ما"يصح أن تكون موصولا حرفيا أي في علمي أي في متعلق علمي أو في معلومي، وأن تكون موصولا اسميا أي في الذي علمته من المؤلفات، وعلى كلٍ فقد حذف مفعولي علم اختصارًا أو اقتصارًا، ويصح أن يقدرا مفردين أي في علمي النظير ثابتا أو في الذي علمته من المؤلفات ثابتا وأن يقدر ما يسد مسدهما أي