فهي التخيير بين الفعل والترك كالنكاح والبيع ونحوهما، وأما الوضع لهما أي للطلب والإباحة فعبارة عن نصب الشارع سببا أو شرطا أو مانعًا لما ذكر من الأحكام الخمسة الداخلة في كلامنا تحت الطلب والإباحة، فالسبب ما يلزم من عدمه العدم ومن وجوده الوجود بالنظر إلى ذاته كالزوال مثلًا فإن الشارع وضعه سببا لوجوب الظهر
[حاشية الدسوقي]
وتركه. (قوله: فهي التخيير) المراد به كلام الله المتعلق بكون الشيء مخيرًا فيه بين الفعل والترك، وليس المراد بالتخيير فعل الفاعل كما يتبادر من العبارة، وإنما فصلها عما قبلها لأنه لا طلب فيها، ولا فيما بعدها وهو الوضع.
(قوله: بين الفعل والترك) قيل الأولى أن يقول بين الفعل والكف لأن كلامنا في تعلق خطاب الله بفعل المكلف، والترك عدم الفعل، ورد بأن الترك في الحقيقة فعل هو كف النفس. (قوله: كالنكاح) أي كالتخيير المتعلق بالنكاح، وقضيته أن النكاح الأصل فيه الإباحة مع أن التحقيق في مذهب الشارح أن الأصل فيه الندب. (قوله: فعبارة) أي فمعبر به (قوله: عن نصب الشارع) أي عن جعله الشيء سببا الخ، وقضيته أن الوضع ليس نوعا من الخطاب أي الكلام النفسي وإنما هو صفة فعل، وليس كذلك بل هو نوع منه، وحينئذ فكان حق العبارة أن يقول فهو خطاب الله أي كلامه الدال على جعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا، لكنه اتكل على القرينة وهي جعله سابقا الوضع من أنواع الخطاب.
(قوله: لما ذكر من الأحكام الخمسة) أي وهي الإيجاب والندب والتحريم والكراهة والإباحة. (قوله: فالسبب) إن جعلت أل للعهد والمعنى فالسبب المعهود وهو الذي وضعه الشارع لما ذكر من الأحكام وهو متعلق خطاب الوضع ما يلزم الخ كان تعريفا بالأعم إن جعلت ما واقعة على شيء لصدق التعريف بالسبب العقلي والعادي والشرعي، والتعريف بالأعم جائز عند الاقدمين من المناطقة، وإن جعلتها واقعة على موضوع شرعي أي موضوع شرعي يلزم الخ أي شيء جعل الشارع وجوده علامة على وجود غيره وجعل عدمه علامة على عدم غيره كان التعريف مساويا للمعرف وهو السبب الشرعي لا أعم منه ولا أخص، وإن جعلت أل للحقيقة والمعنى وحقيقة السبب أعم من كونه شرعيا أو غير شرعي تعين جعل ما واقعة على شيء.
(قوله: ما يلزم من عدمه العدم ومن وجوده الوجود) "ما"جنس في التعريف، وقوله يلزم من عدمه العدم ومن وجوده الوجود فصل أخرج به الشرط والمانع، لأن الشرط وإن كان يلزم من عدمه العدم لكنه لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، ولأن المانع يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، وأخرج به أيضا الدليل على الحكم من الكتاب والسنة والإجماع، فإن الدليل وإن لزم من وجوده الوجود لكنه لا يلزم من عدمه العدم، فالدليل يلزم طرده ولا يلزم عكسه، بخلاف السبب فإنه يلزم طرده وعكسه فيؤثر بطرف الوجود في الوجود وبطرف العدم في العدم، وهو معنى قولهم السبب يؤثر بطرفيه.
(قوله: إلى ذاته) رجعه الشارح لطرف الوجود، وغير الشارح رجعه للجملتين أي ما يلزم من عدمه العدم لذاته، ومن وجوده الوجود لذاته، أما رجوعه للجملة الثانية فلإدخال السبب الذي قارنه مانع أو انتفاء شرط كما قال الشارح فإنه لا يلزم من وجوده الوجود لكنْ لا لذاته، وأما رجوعه للأولى فلإدخال سبب الشيء الذي له سبب آخر يخلفه عند عدمه؛ وذلك كالضوء فإن له سببين الشمس والسراج كل منهما يخلف الآخر عند عدمه، فكل واحدمنهما يلزم من عدمه عدم الضوء بالنظر لذاته، وأما لو قطع النظر عن ذاته لوجد المسبب وهو الضوء بدون ذلك السبب بل بالسبب الآخر، وترجيع قوله لذاته للجملة الأولى لإدخال ما ذكر إذا لوحظ فرد من أفراد السبب، أما إذا أريد به جنس السبب المتحقق في كل فرد من أفراده فلا يحتاج لترجيع، وقوله: لذاته للجملة الأولى لإدخال ما ذكر لأنه يلزم من عدمه العدم دائما من غير التفات لشيء.
فإن قلتَ إنه لا حاجة لقوله لذاته مع الإتيان بـ"من"المفيدة للتعليل في قوله من عدمه ومن وجوده، وإضافة كل من العدم والوجود للضمير.
قلتُ: بل الإتيان به محتاج له دفعا لتوهم أن من بمعنى عند. (قوله: فإن الشارع وضعه سببا لوجوب الظهر الخ) الأولى أن يقول سببا لإيجاب الظهر، وقد يجاب بأن الإيجاب والوجوب والتحريم والحرمة متحدان بالذات وإن اختلفا اعتبارًا، فالحكم إذا نسب للحاكم يسمى إيجابًا، وإذا نسب لما فيه الحكم وهو الفعل يسمى وجوبًا، وكذا يقال في الحرمة والتحريم فلذا