ابن العربي القول بأنه تعالى يُعْلَمُ بالتقليد إلى المبتدعه، ونصه في كتابه المتوسط في الاعتقاد: اعلموا علمكم الله أن هذا العلم المكلف به لا يحصل ضرورة ولا إلهامًا، ولا يصح التقليد فيه ولا يجوز أن يكون الخبر طريقا إليه، وإنما الطريق إليه النظر، ورسمه: أنه الفكر المرتب في النفس على طريق يفضي إلى العلم أو الظن
[حاشية الدسوقي]
ابن العربي للمبتدعة، ولا يخفى مناسبة هذه الجملة للجملة التي قبلها، وهي قوله والراجح أنه شرط، فهي كالتأكيد في المعنى لأرجحية كون النظر شرطا في صحة الإيمان.
(قوله: ابن العربي) اعلم أن ابن العربي اثنان وكل منهما اندلسي، الأول الذي قيل فيه خزانة العلم وقطب المغرب هو الإمام أبو بكر بن العربي الفقيه صاحب العارضة والتفسير، والثاني محيى الدين بن العربي الصوفي صاحب الفتوحات المكية، وقد يُفَرَّق بينهما فيقال في الأول ابن العربي بأل، وفي الثاني ابن عربي بدون أل، وكان الأول معاصرًا لابن رشد، اتفق أن ابن رشد عرض عليه كتابا له شرحا على العتبية في الفقه فقال له ابن العربي بم سميت كتابك فقال له ابن رشد سميته بالبيان والتحصيل، فقال له ما بينت وما حصلت يا ابن الأمة وطرحه له، فاتفق بعد ذلك أن ابن العربي ركب البحر في سفينة فهاجت الريح عليه وكادت السفينة أن تغرق فصار ابن العربي يقول يدك يا ابن رشد، ويكرر ذلك فرفعت تلك السفينة ولم تغرق، وهو المراد هنا في كلام الشارح.
(قوله: في كتابه المتوسط) لابن العربي الفقيه ثلاثة كتب في فن الكلام، كتاب كبير وكتاب صغير وكتاب متوسط، وقوله في الاعتقاد بدل من قوله في كتابه المتوسط، أي في مبحث الاعتقاد.
(قوله: علمكم الله) جملة دعائية (قوله: أن هذا العلم) أي العلم بعقائد التوحيد. (قوله: لا يحصل ضرورة) أي لا يحصل بالضرورة؛ أي لا تكون الضرورة طريقًا موصلة إليه في حق كل المكلفين، وهذا لا ينافي أن العلم بالعقائد قد يكون ضروريا بالنسبة لبعض الخواص.
واعلم أن العلم الضروري يطلق على ما حصل بغير نظر واستدلال، وإن حصل بطريق الكسب كعلمك بأن السقف مركب من خشب ومسامير، الحاصل ذلك العلم من رفع بصرك للسقف اختيارًا، ويطلق على ما حصل بغير اختيار في طريقه كعلمك بأن هذا الشيء حجر أو جدارٌ حيث وقع بصرك عليه بلا قصد، وهذا هو المراد هنا فقوله لا يحصل ضرورة أي اضطرارا من غير قدرة على رفعه. (قوله: ولا إلهاما) الإلهام القاء شيء من الخير في القلب بطريق الفيض، ولكن يرتكب فيه التجريد هنا بأن يراد منه مجرد الإلقاء أي ولا يحصل هذا العلم بالقاء الله له في القلب أي ليس إلقاء الله طريقا موصلا لحصوله.
واعلم أن المنفي كون الإلهام طريقا موصلة لحصول النسبة لكل الناس، فلا ينافي أن بعض الخواص يلقي الله تعالى معرفة العقائد في قلبه بدون نظر واستدلال.
(قوله: ولا يصح التقليد فيه) أي لا يصح أن يكون التقليد طريقا فيه أي موصلة له. (قوله: ولا يجوز أن يكون الخبر) أي الكتاب والسنة طريقًا موصلة إليه، هذا فيما عدا السمع والبصر والكلام ولوازمها من كل ما يتوقف عليه المعجزة الدالة على صدق الرسل، وأما هذه السنة فإن طريق العلم بها الخبر كما سيأتي.
(قوله: ورسمه) أي النظر أي تعريفه بالرسم (قوله: الفكر) هو حركة النفس في المعقولات كحركتها في حدوث العالم أو في وجود الإله، وأما حركتها في المحسوسات كحركتها في سقف البيت مثلا فيقال له تخييل، وقوله المرتب في النفس أي المرتب أثره ومتعلقه وهو المقدمات والجنس والفصل، ويحتمل أن يراد بالفكر المفكر فيه بدليل الوصف بالترتيب في النفس.
(قوله: على طريق) متعلق بقوله المرتب، وتلك الطريق هي تقديم الصغرى على الكبرى، والجنس على الفصل أو على الخاصة وكون القياس محتويا على شروط الإنتاج المذكورة في فنِّ المنطق، واحترز بقوله المرتب عن القضية الواحدة لاتتفاء الترتيب فيها فلا تسمى نظرًا، واحترز بقوله على وجه يفضي الخ عما لو كان الترتيب خارجا عن الأشكال الأربعة أو خاليا عن الشروط المعتبرة فيه، كأن يكون من جزئيتين سالبتين فإنه لا يسمى نظرًا.
(قوله: يفضي إلى العلم) أي يؤدي إلى العلم أي إن كانت المقدمات كلها يقينية كما في قولك العالم حادث، وكل حادث لا بد له من محدث أو إلى الظن إن كانت المقدمات كلها ظنية أو بعضها ظنيًا وبعضها يقينيا كما في قولك هذا يدور في الليل بالسلاح، وكل من يدور في الليل بالسلاح سارق، وإذا علمت أن الفكر تارة يفضي إلى علم وتارة يفضي إلى ظن تعلم