يطلب به من قام به علما في العلميات، أو غلبة ظن في المظنونات، ولو كان هذا العلم يحصل ضرورة لأدرك ذلك جميع العقلاء أو إلهاما لوضع الله تعالى ذلك في قلب كل حي ليتحقق به التكليف، وأيضا فإن إلالهام نوع ضرورة وقد أبطلنا الضرورة، ولا يصح أن يقال إنه تعالى يعلم بالتقليد كما قال جماعة من المبتدعة لأنه لو عُرِفَ بالتقليد
[حاشية الدسوقي]
أن في التعريف حذف أو مع ما عطفت، أو أن المراد بالعلم مطلق الإدراك أعم من كونه علما أو ظنا بدليل قوله بعد أو غلبة ظن في المظنونات، وما ذكرناه من أن الفكر تارة يفضي إلى علم وتارة يفضى إلى ظن ظاهر إذا كان المترتب قياسا، وإن كان المترتب تعريفا أدى إلى العلم فقط، كما في قولك في تعريف الإنسان حيوان ناطق، فإنه يؤدي إلى العلم بحقيقة الإنسان وهو مجهول تصوري.
(قوله: يطلب به) أي يحصل بذلك الفكر (قوله: من قام به) مَنْ فاعل يطلب، والذي قام به الفكر الذي هو فاعل الطلب النفس أو الهيكل الإنساني الذي هو النفس والجسد، وفي قوله من قام به إشارة إلى أن المعنى إنما يوجب حكما لمن قام به خلافا للمعتزلة.
(قوله: في العلميات) أي في المسائل التي لا يكفي فيها إلا العلم كالعقائد. (قوله: في المظنونات) أي في المسائل التي يكتفي فيها بالظن كالمسائل الفرعية.
(قوله: ولو كان هذا العلم الخ) هذا شروع في بيان المانع من كون كل من الضرورة والإلهام والتقليد والخبر طريقا موصلة للعلم بعقائد التوحيد، فقوله ولو كان هذا العلم أي العلم بعقائد التوحيد يحصل لكل مكلف ضرورة أي قهرا بدون اختيار.
(قوله: لأدرك ذلك جميع العقلاء) أي لحصل ذلك العلم لجميع العقلاء لأنه لا سبب له خاص، ولأنه لو لم يحصل ذلك العلم في كل أحد مع فرض أنه لا طريق له إلا الضرورة للزم التكليف بما لا يطاق، وهو ممنوع لأنه بمثابة أن يقال افعل يا من هو ملجأ للفعل أو يا من لا قدرة له على الفعل، أي لكن التالي باطل بالمشاهدة فكذا المقدم، إن قلت إن الملازمة ممنوعة لأن السوفسطائية لم يدركوا الضروريات كما مشى عليه المصنف في شرح مختصر المنطق، قلت إنه أراد بجميع العقلاء أكثرهم أو أن ابن العربي يقول إن السوفسطائية عقلاء وإنكارهم للضروريات عناد منهم فلا يلتفت لهم. (قوله: أو إلهاما) أي ولو كان ذلك العلم يحصل بالالهام.
(قوله: لوضع الله الخ) أي لكن التالي باطل بالمشاهدة إذ كثير من الناس مكلفون ولا علم عندهم، فالمقدم مثله. (قوله: كل حي) أراد به البالغ العاقل بدليل قوله ليتحقق به التكليف فهو من إطلاق العام وإرادة الخاص.
(قوله: ليتحقق به التكليف) هذا بيان للملازمة، وحاصله أن المعرفة مكلف بها، ولو انحصر تحصيلها في الإلهام للزم الوضع المذكور أعني وضع الله العلم بالعقائد في قلب كل مكلف لأجل أن يتحقق ويحصل التكليف أي أثر التكليف، وهو الأمر المكلف به كالمعرفة لأن التكليف الإلزام بما فيه كلفة، وإلا كان التكليف بالمعرفة تكليفا بما لا يطاق وهو ممنوع وقد سبق منعه.
(قوله: نوع ضرورة) أي نوع من أنواع ذي الضرورة أي نوع من أنواع العلم الحاصل بالضرورة، لأن العلم الضروري بالمعنى الثاني السابق وهو الحاصل قهرا بدون اختيار صادق على العلم الحاصل بالإلهام كما هو صادق على العلم الحاصل بغير الإلهام كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين وكالعلم بأن هذا الشيء حجر الحاصل من وقوع البصر عليه بغير قصد.
(قوله: وقد أبطلنا الضرورة) أي وقد أبطلنا كون هذا العلم يحصل بالضرورة بقولنا فيما سبق ولو كان هذا العلم يحصل ضرورة لأدرك ذلك جميع العقلاء.
(قوله: و لا يصح أن يقال إنه تعالى يعلم بالتقليد) أي لا يصح أن يقال ذلك بحيث يكون التقليد طريقا للعلم بمعرفة الله. (قوله: كما قال جماعة من المبتدعة) راجع للمنفي (قوله: لأنه لو عرف بالتقليد) هذا إشارة إلى قياس شرطي حذفت استثنائيته وذكر دليلها وحذف أيضا مقدم الشرطية، وأصل التركيب هكذا: لوكان التقليد طريقا للعلم به لحصل العلم به تعالى بالتقليد لكن التالي باطل فكذلك المقدم، وأما الشرطية فالملازمة فيها ظاهرة ووجه بطلان التالي الذي هو الاستثنائية أن المقلد لا يخلو إما أن يقلد كل واحد من الناس أو بعضهم وكلاهما لا يصح لأنه إن قلد واحدًا مثلا دون غيره لزم عليه الترجيح من غير مرجح لاستواء المقلدين بالفتح، وعدم كون بعضهم أولى من بعض باتباع قوله، والترجيح من غير مرجح باطلٌ، فليكن ما أدى إليه من تقليد البعض دون البعض الذي هو طريق لحصول هذا العلم باطلًا، وإن قلد الكل لزم عليه الجمع بين المتنافيات في الاعتقاد، لأن أقوال المقلدين بالفتح متنافية