فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 238

لما كان قول واحد من المقلدين أولى بالاتباع والانقياد إليه من الآخر؛ كيف وأقوالهم متضادة ومختلفة، ولا يجوز أيضا أن يقال إنه يعلم بالخبر لأن من لم يعلم الله تعالى كيف يعلم أن الخبر خبره، فثبت أن طريقه النظر، وهو أول واجب على المكلف إذْ المعرفة أول الواجبات، ولا تحصل إلا به فبضرورةٍ تقديمه عليها تثبت له صفة الوجوب قبلها، وإيجاب المعرفة بالله معلوم من دين الأمة ضرورة (فصل)

[حاشية الدسوقي]

أي والجمع بين المتنافيات في الاعتقاد باطل، فليكن ما أدى إليه من تقليد الكل الذي هو طريق لحصول هذا العلم باطل.

فالحاصل: أن حصول العلم عن التقليد يؤدى إما إلى الترجيح بلا مرجح وإما إلى الجمع بين المتنافيات في الاعتقاد وكلاهما محال، فما أدى لذلك وهو حصول العلم عن التقليد محال، وحينئذ فلا يحصل العلم بالتقليد.

(قوله: لما كان الخ) أي لحصل العلم به لكن التالي باطل لأنه إما أن يقلد الكل أو البعض كلاهما لا يصح لأنه إن قلد البعض لزم عليه الترجيح من غير مرجح لاتتفاء كون قول واحد من المقلدين أولى بالاتباع لتساويهم بحسب الظاهر، فما نافية، وقوله وأقوالهم الخ أي وإن قلد الكل لزم عليه اعتقاد المتنافيات لأن أقوالهم متضادة مختلفة فقوله لَمَا كان قول واحد الخ تعليل لعدم صحة تقليد البعض. وقوله وأقوالهم الخ تعليل لعدم صحة تقليد الكل.

(قوله: وأقوالهم) أي المقلدين بفتح اللام كأبي الحسن الأشعري وأتباعه القائلين بان الله تعالى قادر بقدرة زائدة على ذاته، وأنه يرى في الآخرة، وكالجبائي وأتباعه القائلين بأنه قادر بذاته لا بقدرة زائدة على الذات، وأنه لا يرى في الآخرة.

(وقوله: ومختلفة) عطف تفسير (قوله: كيف يعلم) أي لا يعلم فالاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي لأن من لا يعلمه لا يعلم أن الخبر خبره لتوقف العلم بأن الخبر خبره على العلم به، ولو كان الخبر طريقا إلى العلم به للزم عليه توقف العلم على الخبر فيلزم الدور. والحاصل: أنه لو كان الخبر طريقا للعلم بالله للزم الدور لأن العلم به تعالى بتوقف حينئذ على العلم بأن هذا الخبر خبره تعالى، والعلم بأن هذا الخبر خبره يتوقف على العلم به تعالى، فكل من العلمين متوقف على الآخر وهذا دور وهو محال، فما أدى إليه من كون الخبر طريقا إلى العلم به محال، وحينئذ فلا يكون الخبر طريقا إلى العلم به، وهذا في غير السمع والبصر والكلام ولوازمها فإنها تعلم بالخبر كما يأتي.

(قوله: فثبت) أي فإذا بطل كون الضرورة والإلهام والتقليد والخبر طريقا للعلم به تعالى ثبت أن طريقه النظر أي الصحيح المركب من مقدمات يقينية لأن النظر قد يطلب به الظن كما مر، والمطلوب هنا إنما هو العلم اليقيني.

(قوله: وهو أول واجب على المكلف) أي أول واجب وسيلةً، فلا يعارض قوله بعد ان المعرفة أول الواجبات، لأن المراد به أنها أول واجب قصدًا، إن قلت على أن الإيمان حديث النفس لا يصح أن تكون المعرفة أول واجب قصدًا بل هو الإيمان فلا يصح الجمع المذكور بين القولين، قلت المعرفة مقصد بالنسبة للنظر، وإن كانت وسيلة للإيمان الذي هو حديث النفس.

(قوله: إذْ المعرفة الخ) علة لكون النظر أول واجب (قوله: فبضرورة تقديمه الخ) فيه أن ضرورة تقديمه عليها إنما تقتضى توقفها عليه فقط، لا إثبات الوجوب له فضلا عن كون وجوبه قبلها فكان الأولى أن يقول فبضرورة أنها لاتحصل إلا به أو أنها متوقفة عليه ثبت له صفة الوجوب قبلها؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ثم إن ما ذكره الشارح من ثبوت الوجوب للنظر قبل المعرفة مبني على أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب بوجوب آخر غير وجوب المقصد، فعندنا أمران أمر تعلق بالنظر، وأمر تعلق بالمعرفة، والتحقيق عند الأصوليين أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب بوجوب المقصد لا بوجوب آخر، وحينئذ فليس عندنا إلا أمر واحد متعلق بالمعرفة والنظر فلا يتم قول الشارح أن النظر أول واجب، ولا قوله فثبت له صفة الوجوب قبلها.

(قوله: وإيجاب المعرفة بالله معلوم من دين الأمة ضرورة) هذا مرتبط بقوله إذْ المعرفة أول الواجبات أي وإنما حكمنا عليها بأنها أول الواجبات لأن إيجابها معلوم من دين الأمة بالضرورة، فبعد أن بين وجه كون النظر واجبا شرع في بيان وجوب المعرفة ذكر أنه معلوم من الدين بالضرورة، ومراده بالضرورة الشهرة، أي أن وجوبها شائع مشهور بين الناس لكن لم يصل لحد الضرورة بحيث يعرفه الخاص والعام، وليس المراد بكون ذلك الوجوب ضروريًا أنه أمر بديهي يعرفه الخاص والعام حتى يلزم كفر من أنكر وجوب المعرفة، وقال إنها شرط كمال، والتقليد يكفي في عقائد التوحيد.

(قوله: فصل) هذه الترجمة من جملة كلام ابن العربي وإنما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت