ومع أنا نقول إن المعرفة واجبة، وإن النظر الموصل إليها واجبٌ، فإن بعض أصحابنا يقول إن من اعتقد في ربه تعالى الحق وتعلق به اعتقاده على الوجه الصحيح في صفاته فإنه مؤمن موحد، ولكن هذا لا يصح في الأغلب إلا لناظرٍ، ولو حصل لغير ناظر لم نأمن أن يتخلخل اعتقاده فلا بد عندنا أن يعلم كل مسألة من مسائل الاعتقاد بدليل واحد، ولا ينفعه اعتقاده إلا أن يصدر عن دليل علمه
[حاشية الدسوقي]
فصل بين الكلام السابق واللاحق بلفظ فصل لأن الكلام السابق يفيد عدم الاكتفاء بالتقليد والكلام اللاحق يفيد الاكتفاء به.
(قوله: ومع أنا نقول) يحتمل أن الواو زائدة و"مع"متعلقة بيقول الثاني، وأن وما دخلت عليه مؤولة بالمصدر، والفاء في قوله فإن واقعة في جواب شرط مقدر داخلة على قول محذوف، أي إذا عرفت ما تقدم فنقول إن بعض أصحابنا يقول إن من اعتقد في ربه الحق فهو مؤمن مع قولنا إن المعرفة واجبة الخ، أي وقوله: مخالف لقولنا إذ مقتضى قوله الاكتفاء بالتقليد في عقائد الإيمان، ومقتضى قولنا عدم الاكتفاء به فيها، ويحتمل أن تكون الواو للاستئناف داخلة على قول محذوف و"مع"متعلقة بذلك القول المحذوف، وأن وما دخلت عليه مؤولة بمصدر، وقوله فإن بعض أصحابنا الفاء فيه زائدة، وإن بعض أصحابنا مقول القول المحذوف أي ونقول مع قولنا إن المعرفة واجبة الخ أن بعض أصحابنا يقول إن من اعتقد في ربه الحق فهو مؤمن أي وقوله مخالف لقولنا، لأن مقتضى قوله الاكتفاء بالتقليد في عقائد الإيمان ومقتضى قولنا عدم الاكتفاء به فيها فتدبر.
(قوله: إن المعرفة) أي في عقائد التوحيد واجبة أي ومقتضى ذلك عدم الاكتفاء بالتقليد فيها. (قوله: أن من اعتقد في ربه) أي اعتقادا ناشئا عن التقليد كما هو ظاهر السياق لا عن النظر. (قوله: الحق) أي الاعتقاد الحق أي الصحيح أو النسبة الحق أي المطابقة للواقع كاعتقاد ثبوت القدرة لله، والثاني أوفق بما تقدم من أن الحق هو الحكم المطابق للواقع وأنه يوصف به الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتماله على ذلك.
(قوله: وتعلق به اعتقاده) أي وتعلق اعتقاده بربه وهذا عطف لازم على ملزوم لأنه يلزم من اعتقاده الحق في ربه تعلق اعتقاده به. (قوله: على الوجه الصحيح) أي المطابق للواقع (قوله: فإنه مؤمن موحد) ظاهرة من غير إثم يلحقه بناء على أن المعرفة غير واجبة؛ وحينئذ فهذ القائل يقول بعدم وجوب المعرفة وعدم وجوب النظر الموصل إليها وبالاكتفاء بالتقليد.
(قوله: ولكن هذا) أي ما اقتضاه قوله فإنه مؤمن موحد من ثبوت الإيمان له لا يصح في الأغلب الخ، وهذا الاستدراك من كلام ابن العربي أتى به دفعا لما يتوهم من صحة ماقتضته عبارةُ ذلكَ البعضِ من ثبوت الإيمان له وفي بعض التقارير ترجيع اسم الإشارة للاعتقاد الصحيح، فقوله لكن الخ اعتراض من ابن العربي على ذلك البعض. (قوله: لا يصح) أي لا يثبت (قوله: في الأغلب) قضيته أنه يصح ذلك في الغالب والمساواة والنادر مع أن القصد أنه لا يصح أصلًا، فالمناسب حذف قوله في الأغلب.
(قوله: ولو حصل) أي هذا وهو الاعتقاد الصحيح أي ولو فرض حصوله كما يفرض المحال لغير ناظر الخ وحينئذ فلا يقال إن قوله ولو حصل ينافي ما سبق من أنه لا يصح الاعتقاد الصحيح إلا لناظر. (قوله: يتخلخل) أي يتزلزل اعتقاده بعروض ما ينافيه من شك ونحوه بسبب ورود شبهة عليه. (قوله: فلا بد) أي فيجب أن يعلم الخ وهذا مفرع على ما قبله، وحيث كان الأمر كما ذكر فلا بد الخ، فتكون المعرفة واجبة والنظر الموصل إليها واجبًا، وهو ما قلناه.
قال الشيخ يحيى في قوله"فلا بد"أصله في الإثبات"بد"الأمر فُرِّقَ، وتَبَدَّدَ تَفرَّق، وجاءت الخيل بدادا أي متفرقة، فإذا انتفت التفرقة والمفارقة بين شيئين حصل تلازم بينهما دائما فصار أحدهما واجبا للآخر، ومن ثم فسروا"لا بد"بِوَجَبَ. فاعرف ذلك.
(قوله: كل مسئلة) أي وجبت علينا معرفتها (قوله: بدليل) أي قطعي وهو البرهان المركب من مقدمات يقينية، والمراد بالدليل ما يشمل الجملي، (وقوله: واحِدٍ) بيان لأقل ما يكفي. (قوله: ولا ينفعه اعتقاده الخ) أي حينئذ، فالمقلد كافر عند ابن العربي. (وقوله: ولا ينفعه الخ) . لازم لما قبله (قوله: علمه) يصح أن يكون مصدرا بالرفع فاعلا ليصدر أو بالجر بإضافة دليل إليه وإضافة الدليل إليه من حيث إن الدليل مفيد له، فالإضافة لأدنى ملابسة، وفاعل يصدر ضمير يعود على الاعتقاد، والمراد بالعلم على كلا الاحتمالين الاعتقاد فيكون إظهارا في محل الإضمار، وضمير ينفعه واعتقاده وعلمه للشخص المعتقد