لم يمهل ساعة ألا ترى أن المرتد استحب فيه العلماء الإمهال لعله إنما ارتد لريب فيتربص به مدة لعله أن يراجع الشك باليقين والجهل بالعلم، ولا يجب ذلك لحصول العلم بالنظر الصحيح أولا، وكيف يصح لناظر أن يقول إن الإيمان يجب أولا قبل النظر ولا يصح في المعقول إيمان بغير معلوم، وذلك الذي يجده المرء حسن ظن في نفسه بِمُخْبِره
[حاشية الدسوقي]
أعطى الجزية كذا قاله المَلَّوي وحينئذ فلا يخالف ما تقرر في الفقه.
والحاصل أن ما مر في كافر لم يخالط أهل الإسلام بأن كان في بلاد الحرب وطلبنا منه الإيمان فقال أمهلوني حتى أنظر وكلامه الآن في كافر مخالط للمسلمين عالم بطريق الإيمان وهي النظر أي الدليل الموصل للمعرفة. (قوله: لم يمهل ساعة) أي لا وجوبًا ولا ندبًا، بل يقال له إما أن تؤمن أي تصدق بأن ما جاء به الرسول من عند الله حق أو تقتل ولا يقال له إن كنت تعلم النظر فاسرده في نفسك وإلا فاسمعه ولا يقال ذلك أيضا للمرتد لأن الأول علم طريق الإسلام وعاند، والمرتد حصل له العلم بالنظر الصحيح أولًا والفرق بين الأصلي المخالط والأصلي غير المخالط ظاهر، وعلم من عبارته أنه إنما يقال له إن كنت تعلم النظر الخ إذا سأل الإمهال للنظر، أما إذا لم يسأل حمل على أنه معاند فيلجأ على الإيمان بالسيف.
(قوله: ألا ترى الخ) تنظير فيما نحن بصدده من جهة أن كلًا لا يمهل وجوبا وإن كان ما نحن فيه لا يمهل أصلًا، والمرتد يمهل ندبا فهو تنظير في الجملة، فإن قيل لم أمهل المرتد ندبا على كلامه دون الآبي فإنه لا يمهل أصلا؟
قلت جوابه أن المرتد عمل بمقتضى المخالطة من الدخول في الإيمان قبل الردة، فإذا خرج احتمل أن يكون لشبهة قامت عنده فهو معذور في الجملة فاستحب إمهاله لعله أن يزيلها ويبدل الشك باليقين والجهل بالعلم بخلاف الآبي، فإن الإيمان لم يخالج قلبه، وقد تمكن من البرهان القاطع وقد قصر في دخوله في الإيمان فهو معاند ولو حكما فلذا كان له سيف من غير إمهال.
والحاصل أن الكافر الأصلي محمول على المعاند بخلاف المرتد ويحتمل أن قول الشارح لم يمهل ساعة أي وجوبا وإن أمهل ندبًا وحينئذ فيكون قوله ألا ترى الخ تنظيرا تاما.
(قوله: استحب فيه العلماء الإمهال) هذا قول ضعيف في المذهب، والمعتمد أنه يجب إمهاله ثلاثة أيام ويستتاب فيها كل يوم مرة فإن رجع للإسلام فظاهر وإلا قتل.
(قوله: لريب) أي لشك حصل له من شبهة وردت عليه، وقوله فيتربص به مدة أي فينتظر به مدة. (قوله: أن يراجع) أي يبدل. (قوله: والجهل بالعلم) الجهل معطوف على الشك المعمول ليراجع، وبالعلم معطوف على باليقين المعمول ليراجع أيضا ففيه العطف على معمولي عامل واحد وهو جائز، والمراد بالجهل الشك، وبالعلم اليقين فالعطف مرادف.
(قوله: ولا يجب ذلك) أي إمهال المرتد وقد علمت أن المعتمد أنه واجب. (قوله: بالنظر) متعلق بحصول، والباء سببية (قوله: أولًا) أي قبل الردة.
واعلم أن قوله وأما إذا دعا إلى قوله ألا ترى يظهر منه رد الشق الثاني والثالث في السؤال كما ظهر رد الشق الأول بقوله أما القول الخ. (قوله: وكيف يصح لناظر) أي لعاقل وهذا استفهام على وجه الاستبعاد مشوب بالتعجب والإنكار على القائل بأن الإيمان يجب قبل النظر وهو مرتبط بقوله أما القول بوجوب الإيمان قبل المعرفة فضعيف فهو بمنزلة تعليل ثانٍ له كأنه قال أما القول بوجوب الإيمان قبل المعرفة فضعيف لأن إلزام التصديق بما لا تعلم صحته يؤدي الخ، ولأنه لا يصح لناظر (قوله: قبل النظر) أي فهو تفسير لقوله أولا (قوله: ولا يصح) أي لأنه لا يصح وهذا علة لقوله وكيف يصح الخ. (قوله: في المعقول) أي في العقل أي لا يصح بحسب العقل أي لا يصح عقلا إيمان بغير معلوم الصحة، ويصح أن يراد بالمعقول الأمور المقبولة عقلا أي لا يصح أن يُعَد في الأمور المقبوله عقلا إيمان بغير معلوم الصحة. (قوله: بغير معلوم) أي بغير معلوم الصحة (قوله: ذلك الذي الخ) جواب عن سؤال نشأ من قوله ولا يصح في المعقول الخ، وحاصل السؤال أنه قد صح ذلك ووجد كما في إيمان المقلد فإنه إيمان بغير معلوم صحته، وحاصل الجواب أنا لا نسلم أن الذي عند المقلد من اعتقاد أن الله واحد إيمان حقيقة بل هو أمر حصل من حسن ظنه بمن قلده يجوز أن يتغير.
(قوله: حسن ظن) من إضافة الصفة للموصوف وفي الكلام حذف مضاف أي فهو مسبب ظن حسن بمخبره أي إنه أمر حصل من ظنه الحسن بمخبره بكسر الباء أي بالشخص الذي أخبره بما حصل له الإذعان به في نفسه، وهو مقلده بفتح اللام كذا قرره شيخنا وفي يس وحاصل الجواب أنه