وإلا فإن تطرق إليه التجويز أو التكذيب تطرق، وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الخلق إلى النظر أولا فلما قامت الحجة به وبلغ غاية الإعذار فيه حملهم على الإيمان بالسيف؛ ألا ترى أن كل من دعاه إلى الإيمان قال له اعرض عليَّ آيتك فيعرضها عليه فيظهر له الحق فيؤمن فيأمن أو يعاند فيهلك
[حاشية الدسوقي]
ليس هناك لذلك المرء علم حصل من مقلده، بل الحاصل له إنما هو ظن حسن في ذلك الذي قلده، وأما الحكم الذي أخذه عنه وقلده فيه فلا يلزم أن يكون جازمًا فيه، ويصح فتح الباء على أنه من الحذف والإيصال، أي المخبر به (قوله: وإلا فإن تطرق) أي وإلا يكن ما يجده المرء المقلد بسبب حسن ظنه، بل كان إيمانا حقيقة على ما قال شيخنا أو بل كان اعتقادا على ما في يس عن ابن الهمام فلا يصح لأنه على تقدير إن تطرق إليه أي إلى ما يجده المرء في نفسه من الإذعان بوحدانية الله.
(قوله: التجويز) أي جواز كونه غير مطابق للواقع بتشكيك مشكك فيه أو غيره أو التكذيب أي كونه كذبا تطرق أي إن طرأ له ذلك ثبت ذلك الطارئ وزال ما عنده من الجزم؛ فلا يكون ما عنده من الجزم إيمانا حقيقة لأن شأن الإيمان أنه إذا طرأ له ذلك لا يثبت هذا الطارئ؛ وبهذا ظهر لك عدم اتحاد الشرط والجزاء، وأن المراد بالتجويز والتكذيب أثره، وقد استفيد من هذا الكلام أن اعتقاد المقلد لا يكفي في حصول الإيمان بل لابد فيه من النظر الموصل للتصديق اليقيني الذي لا يحتمل النقيض.
(قوله: وأيضا الخ) راجع لقوله وكيف يصح الخ، فهو دليل على عدم صحة القول بوجوب الإيمان قبل النظر، والحاصل أنه أقام على عدم صحة القول بوجوب الإيمان قبل النظر دليلين: دليلا عقليا وهو قوله ولا يصح في المعقول الخ ودليلًا نقليا وهو قوله وأيضا الخ (قوله: دعا الخلق إلى النظر أولًا) أي في أول الرسالة وهو ظرف لدعا أي ودعاؤه في أول الرسالةِ الخلقَ إلى النظر دون الإيمان دليل على أن النظر مطلوب أولًا؛ وحينئذ فلا يصح القول بوجوب الإيمان قبل النظر.
(قوله: فلما قامت الحجة به) أي فحين قامت الحجة على النظر، فالباء بمعنى على، والمراد بالنظر الدليل، وعلى هذا يكون المراد بالحجة التي قامت على النظر تبيين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك النظر، والمراد بقيامه عليه تعلقه به، وكانه قال فحين حصل من النبي صلى الله عليه وسلم تبيين للأدلة الدالة على ما يتعلق بالله ورسوله، ولا يخفي ما في هذا من التكلف، فالأولى أن تجعل الباء في به للتصوير، ويكون المعنى فحين قامت أي حصلت عند من دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى النظر الحجة المصورة بالنظر أي الدليل، ويصح ان يُراد بالحجة الاحتجاج، والباء في به للتعدية، ويكون المعنى فحين حصل الاحتجاج على الخلق بالنظر أي بحصوله عندهم. (قوله: وبلغ) أي النبي صلى الله عليه وسلم وهو معطوف على قامت. (قوله: غاية الإعذار) الإعذار قطع العذر، والإضافة يجوز أن تكون من إضافة الصفة للموصوف أي الإعذار الغاية وأن تكون حقيقية أي المرتبة العليا من الإعذار.
(قوله: فيه) أي في النظر، ويصح أن تكون في بمعنى الباء التي للتعدية متعلقة بالإعذار أي بلغ غاية قطع حجتهم بالنظر أي بالدليل الذي بينه لهم وفهموه، ويصح أن تكون متعلقة ببلغ في سببية أي وبلغ غاية الإعذار بسبب ما بينه لهم من النظر وفهموه.
(قوله: ألا ترى الخ) دليل على كون النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم أولًا للنظر قبل دعائه للإيمان. (قوله: قال له اعرض عليَّ آيتك) أي معجزتك الدالة على صدقك فيما أخبرتنا به التي من جملتها الأدلة الدالة على ما يتعلق بالله ورسوله، ففي قوله اعرض عليَّ آيتك دون أن يقول له حتى أنظر دليل على أن النظر حصل له قبل دعائه للإيمان. فتدبر.
(قوله: فيعرضها) بفتح الياء وكسر الراء من عرض. (قوله: الحق) أي فيظهر له أن ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم من الأدلة الدالة على ما يتعلق بالله ورسوله مطابق للواقع. (قوله: فيؤمن) أي فيظهر الإيمان كأن يقول آمنت بما جاء به رسول الله أو بما أنتجه هذا الدليل.
(قوله: فيأمن) أي من الهلاك (قوله: فيهلك) أي فيستحق الهلاك بالسيف، وفي قوله دعا الخلق أولًا إلى النظر الخ مخالفة لما ذكره العلامة ابن حجر في شرح العباب من أنه قد تواترت الأخبار تواترًا معنويا على أنه صلى الله عليه وسلم لم يزد في دعائه المشركين على طلب الإقرار بالشهادتين والتصديق بمدلولهما، بل اكتفي بما دون ذلك كما في حديث معاوية بن الحكم في الأمة السوداء التي أراد عتقها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أبن الله فقالت في السماء فقال لها من أنا