فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 238

عن هذه الرتبة المأمونة الزكية إلا ذو نفس ساقطة وهمة خسيسة، لكن على العاقل أن بنظر أولًا فيمن يحقق له هذا العلم، ويختاره للصحبة من الأئمة المؤيدين من الله تعالى بنور البصيرة الزاهدين بقلوبهم في هذا العرض الحاضر، المشفقين على المساكين الرؤفاء على ضعفاء المؤمنين فمن وجد أحدًا على هذه الصفة في هذا الزمان القليل الخير جدًا فليشد يده عليه وليعلم أنه لا يجد له والله أعلم ثانيا في عصره، إذ من يكون على هذه الصفة أو قريبا منها لا يكون منهم في أوآخر الزمان إلا الواحد ومن يقرب منه على ما نص عليه العلماء، ثم الغالب عليه في هذا الزمان الخفاء بحيث لا يرشد إليه إلا قليل من الناس، وليشكر الله سبحانه الذي أطلعه على هذه الغنيمة العظمى آناء الليل وأطراف النهار إذ أظفره مولاه الكريم جل وعز بمحض فضله بكنز عظيم من كنوز الجنة ينفق منه ما شاء وكيف شاء، وقليل أن يتفق اليوم وجود مثل هذا إلا لنادر من السعداء وأما من يقرأ

[حاشية الدسوقي]

مرتبتها، وقال ابن هشام: التحقيق أن قائمًا نُصِبَ على المدح، والمراد بالقسط العدل. (قوله: عن هذه الرتبة) أي رتبة المعرفة والتعلم للنظر الصحيح المترتب عليه ما ذكر.

(قوله: ساقطة) أي دنية. (قوله: خسيسة) أي حقيرة دنية. (قوله: لكن على العقل الخ) أي وإذا علمت أن التقليد لا يكفي وأنه لابد من المعرفة والتعلم للنظر الصحيح فلا تتعلم العقائد بأدلتها الإ على عارف حق المعرفة؛ لا على كل من يدعي العلم، فدفع بالاستدراك ما يُتوهم من أنه يتعلم على كل من تصدى للتعليم، وهذا شروع في نصيحة المسلمين من جهة المشايخ الذين يُتلقى عنهم هذا العلم، ومن جهة الكتب التي ينبغي تعاطيها والاعتناء بها من كتب هذا الفن.

(قوله: أن ينظر أولًا) أي أن يبحث ويفتش على من يُحَقِّق الخ وقوله أولًا أي قبل الشروع في هذا العلم. (قوله: من الأئمة) بيان لمن يحقق الخ، فـ"من"بيانية مشوبة بتبعيض. (قوله: بنور البصيره) البصيرة: عَيْنٌ في القلب يُدرك بها المعاني كالعين القائمة بالرأس التي يدرك بها المحسوسات، ونور البصيرة هو العلم، فكأنه قال: من المؤيدين من الله بالعلم، والتأييد: التقوية.

(قوله: الزاهدين بقلوبهم في هذا العَرَض) أي: المعرضين بقلوبهم عن هذا العَرَض، وهو الدنيا، أعني الذهب والفضة، وسميت عرضا لزوالها كالعرض فإنه لا يبقى زمانين، وأشار بقوله بقلوبهم إلى أن وجود المال في اليد إذا كان مع زهد القلب وعدم تعلقه به لا ينافي التأييد من الله بالعلم، وأنه لا تضر صحبته فقد وُجِدَ المالُ الكثير في يد بعض أكابر الصحابة كسيدنا عثمان وعبد الرحمن ابن عوف وغيرهم.

واعلم أنَّ الزهد هو الاقتصار في تعاطي الحلال على قدر الحاجة، والورع: هو ترك المحرمات والشبهات وتعاطي الحلال، ولو فوق الحاجة. (قوله: المشفقين على المساكين) أي: الذين لا علم عندهم. (قوله: الرؤفاء) أي: الذين عندهم رأفة وشِدَّةُ رحمة. (قوله: على ضعفاء المؤمنين) المراد بهم البلداء الذين لا يفهمون بسهولة. (قوله: على هذه الصفة) أي المذكورة في قوله المؤيدين الخ، والمراد جنس الصفة الصادق بصفات متعددة فلا ينافي أن المذكور صفات لا صفة واحدة.

(قوله: القليل الخير) أي القليل خير أهله، أي معرفتهم بالعلوم أي الذي قل فيه أهل المعرفة بالعلوم. (قوله: فليشد يده عليه) كناية عن كثرة ملازمته. (قوله: لا يكون منهم) أي من فقد، راعى معناها فجمع الضمير يعنى أنه لا يوجد في آخر الزمان منهم أي من الذين يكونون على هذه الصفة إلا الواحد يعني مشغولًا بتعليم هذا العلم وبنشره، وهذا لا ينافي أن القطب وأصحابه من أهل الدائرة لا ينقطعون حتى تقوم الساعة كما نص أبو نعيم في الحلية لأن الغالب عليهم الخفاء في هذا الزمان، فلا يطلع عليهم أحد الإ من قَلَّ، أو المراد لا يكون منهم إلا الواحد الخ يعني في قُطْرٍ واحدٍ. (قوله: أو من يقرب منه) وهو الاثنان. (وقوله: عليه) أي على الواحد الذي على الصفة المذكورة. (وقوله: ثم الغالب عليه) مبتدأ خبره الخفاء (قوله: على ما نص عليه العلماء) أي إما بالكشف أو من بعض الأحاديث. (قوله: بحيث لا يُرْشَد إليه) بالبناء للمفعول أي لا يُدَلَّ عليه. (قوله: وليشكر الله) عطف على قوله فليشدَّ يده عليه. (قوله: الذي أطلعه على هذه الغنيمة) أي وهو الشيخ الذي على هذه الصفة. (قوله: آناء الليل) أي: أجزاء الليل وهو ظرف ليشكر، والآناء: جمع أِنى أو أُنو وهو الجزء من الزمن. (قوله: وأطراف النهار) أي أجزاءه (قوله: إذ أظفره) أي لأنه أظفره وهو علة لقوله وليشكر الله. (قوله: بمحض فضله) أي بفضله المحض أي الخالص من شوائب الجبر. (قوله: بكنز عظيم) أي وهو الشيخ الذي على هذه الصفة المتقدمة، فشبهه بالكنز بجامع الإنفاق من كل، فالكنز يُنفق منه ومن على هذه الصفة يُنفق من علومه ومعارفه التي يعلمها له، واستعير اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية، وشبهه بالكنز وإن كان أعظم من الكنز في المعنى نظرًا لكون الكنز أعظم من حيث الحس. (قوله: ما شاء) أي: متى أراد الإنفاق، والمراد بالإنفاق التعلم، فشبهه بالإنفاق واستعار اسم المشبه به للمشبه، واشتق من الإنفاق يُنفق بمعنى يتعلم على طريق الاستعارة التبعية. (قوله: كيف شاء) أي وعلى أي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت