هذا العلم على من يتعاطى التعرض له وليس على الصفة التي ذكرناها فمفاسد صحبة هذا دنيا وأخرى أكثر من مصالحها، وما أكثر وجود مثل هؤلاء في زماننا في كل موضع نسأل الله تعالى السلامة من شر أنفسنا ومن شر كل ذي شر بجاه نبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وليحذر المبتدي جهده أن يأخذ أصول دينه من الكتب التي حشيت بكلام الفلاسفة، وأولع مؤلفوها بنقل هوسهم وما هو كفر
[حاشية الدسوقي]
وجه أراده. (قوله: هذا العلم) أي علم العقائد. (قوله: التعرض له) أي لهذا العلم (قوله: صحبة هذا) أي الذي يتعاطى التعرض له وليس على الصفة التي ذكرناها.
(قوله: دنيا وأخرى) مرتبط بقوله مفاسد أي فصحبة هذا مفاسدها الحاصلة في الدينا كالمقت الذي يحصل له من الناس بسبب اعتقاده في الله خلاف الواقع، والحاصلة في الأخرى من العذاب الأليم. (قوله: أكثر من مصالحها) أي أكثر من مصالح صحبته. (قوله: مثل هؤلاء) أي المتعاطين للتعرض لهذا العلم وليسوا على الصفة المذكورة. (قوله: في زماننا) متعلق بوجود، وكذا قوله في كل موضع لكن الأول تعلق به وهو مطلق، والثاني تعلق به مقيدًا فلم يلزم تعلق حرفي جر متحدي اللفظ والمعنى بعاملٍ واحدٍ، لأن الشيء المطلق مغاير لنفسه مقيدًا. (قوله: بجاه) أي حال كوننا متوسلين في قبول دعائنا بجاه أي بمنزلة نبيه عنده. (قوله: جهده) أي طاقته.
(قوله: أصول دينه) أي وهي عقائد التوحيد. (قوله: من الكتب) أي من كتب التوحيد. (قوله: التي حشيت) أي مُلئت. (قوله: بكلام الفلاسفة) أي كقولهم إن الحادث قسمان حادث بالذات ويفسرونه بما يحتاج في وجوده إلى مؤثر سواء سبقه عدم أوْ لا، فالأول كأفراد الإنسان؛ فإنها تحتاج في وجودها لمؤثر، وقد سبقها العدم. والثاني كالأفلاك، فإنها محتاجة في وجودها لمؤثر ولم يسبقها عدم، وحادث بالزمان ويفسرونه بما سبق وجودَهُ عدَمٌ كأفراد الإنسان، والقديم قسمان قديم بالذات ويفسرونه بما لا يحتاج في وجوده لمؤثر كذات المولى، وقديم بالزمان ويفسرونه بما لم يسبقه عدمٌ احتاج في وجوده لمؤثر أوْ لا، فالأول كالأفلاك فإنها عندهم لم يسبقها عدمٌ؛ لأنها ناشئة عن العقول بطريق العلة، والثاني كذات المولى. وظهر من هذا أنَّ كلَّ قديمٍ بالذات قديم بالزمان، ولا عكس. وأنَّ كلَّ حادث بالزمان حادث بالذات ولا عكس، فالمولى قديم بالذات والزمان، وأفراد الإنسان حادثة بالذات والزمان، والأفلاك حادثة بالذات قديمة بالزمان بالمعنى المذكور عند الفلاسفة.
واعلم أنهم يقولون واجب الوجود سبحانه واحدٌ من كل جهةٍ، فلا قدرة له ولا إرادة ولا صفة له زائدة على ذاته، والواحد من كل جهة إنما ينشأ عنه واحد بطريق العلة، فالواحد الذي ينشأ عنه بطريق العلة يقال له العقل الأول، ثم إنَّ ذلك العقل متصف بالإمكان من حيث إن الغير أثر فيه وبالوجوب لعلته، فهو قديم لعلته حادث باعتبار ذاته، فنشأ عنه باعتبار الجهة الأولى عقلٌ ثانٍ، ونشأ عنه من الجهة الثانية فلك أول وهو فلك الأفلاك المسمى في لسان الشرع بالعرش، وهذا العقل الثاني مدبر لذلك الفلك المذكور، ثم إن هذا العقل الثاني متصف بالإمكان من حيث إن الغير وهو العقل الأول أثر فيه بطريق العلة، وواجب لعلته فهو حادث لذاته قديم لعلته، فنشأ عنه باعتبار الجهة الأولى فلك ثان، وهو المسمى في لسان الشرعي بالكرسي، ونشأ عنه باعتبار الجهة الثانية عقل ثالث مدبرا لذلك الفلك الثاني ثم إن ذلك العقل الثالث اتصف بالإمكان من حيث إن الغير أثر فيه وبالوجوب من حيث علته، فنشأ عنه من الجهة الأولى فلك ثالث وهو السماء السابعة، ونشأ عنه من الجهة الثانية عقل رابع مدبر لذلك الفلك الثالث، وهكذا إلى سماء الدينا، فتكاملت الأفلاك بسماء الدنيا تسعة، والعقول بالعقل المدبر لذلك الفلك عشرة، ويسمون ذلك العقل المدبر لفلك القمر وهو سماء الدنيا بالعقل الفياض لإفاضته الكون، والفساد على ما تحت فلك القمر من أنواع الحيوانات والمعادن والنباتات، وبهذا ظهر لك وجه قولهم إن الأفلاك حادثة بالذات قديمة بالزمان، وأنه لا أول لها تبعا لعلتها؛ لأن المعلول يقارن علته، ومثلها في ذلك العقول وسائر الأنواع من الحيوانات والنباتات والمعادن، وأما أفرادها فهي حادثة ذاتا وزمانًا، ومن هذا تعلم أن قول الفلاسفة العالم قديم مرادهم أنه قديم بالزمان وأن المراد بالعالم الأفلاك والعقول وأنواع الحيوانات لا أفردها فتأمل.
(قوله: وأولع) مبنى للمجهول، أي تعلق.
(قوله: وهوسهم) الهوس نوع من الجنون، والمراد به هنا كلامهم الفاسد كالذي ذكرناه، فقوله وما هو كفر بيان له، ولا شك أن قولهم: الأفلاك قديمة بالزمان ناشئة عن العقول بطريق العلة وقولهم إن المولى لا اختيار له كفر.